للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِ الضَّعِيفَيْنِ قُوَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلظَّنِّ وَمِنْ الشَّائِعِ ضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا أَمَّا مُرْسَلُ صِغَارِ التَّابِعِينَ كَالزُّهْرِيِّ وَنَحْوِهِ فَبَاقٍ عَلَى الرَّدِّ مَعَ الْعَاضِدِ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ (فَإِنْ تَجَرَّدَ) الْمُرْسَلُ عَنْ الْعَاضِدِ (وَلَا دَلِيلَ) فِي الْبَابِ (سِوَاهُ) وَمَدْلُولُهُ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ (فَالْأَظْهَرُ الِانْكِفَافُ) عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ (لِأَجْلِهِ) احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الِانْكِفَافُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ حِينَئِذٍ.

(مَسْأَلَةٌ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ (عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ)

ــ

[حاشية العطار]

الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ غَلَطٌ بَلْ هُوَ يُحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُحْتَجُّ بِمَرَاسِيلِ سَعِيدٍ إلَّا بِهَا أَيْضًا اهـ.

وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَحَاسِنِ الِاصْطِلَاحِ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مَرَاسِيلِ سَعِيدٍ فَكَانَ فِي الْقَدِيمِ يَحْتَجُّ بِهَا بِانْفِرَادِهَا وَمَذْهَبُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: ضَعِيفَانِ إلَخْ) هُوَ عَجُزُ بَيْتٍ سَقَطَتْ مِنْهُ الْفَاءُ، وَهُوَ مِنْ بَحْرِ الْخَفِيفِ قَالَ الشَّاعِرُ:

يَا مَرِيضَ الْجُفُونِ عَذَّبْت قَلْبًا ... كَانَ قَبْلَ الْهَوَى قَوِيًّا سَوِيًّا

لَا تُحَارِبْ بِنَاظِرَيْكَ فُؤَادِي ... فَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا

(قَوْلُهُ: فَالْأَظْهَرُ الِانْكِفَافُ) أَيْ وُجُوبًا بِدَلِيلٍ لِمُقَابِلٍ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْعَاضِدِ، وَلَا دَلِيلَ سِوَاهُ.

[مَسْأَلَةٌ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ]

(قَوْلُهُ: الْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَتُهُمْ لِلْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَكْثَمَةَ اللَّيْثِيِّ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْمَعُ مِنْك الْحَدِيثَ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْك يَزِيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا فَقَالَ: إذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمْ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ» وَكَانَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ يَأْتُونَ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعَانِي وَكَذَا كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى وَقَالَ وَكِيعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ (قَوْلُهُ: بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ) أَيْ اللُّغَوِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَمَوَاقِعُ الْكَلَامِ أَيْ الْمَقَامَاتُ الْخَطَّابِيَّةُ؛ وَلِذَلِكَ ذَكَرُوا فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنْ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَلَا يَعْرِفُ النَّحْوَ مَثَلُ الْحِمَارِ عَلَيْهِ مِخْلَاةٌ، وَلَا شَعِيرَ فِيهَا وَرَوَى الْخَلِيلُ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إلَى أُبَيٍّ لِيَعْرِضُوا عَلَيْهِ كِتَابًا فَقَرَأَ لَهُمْ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَكَانَ رَدِيَّ اللِّسَانِ يَلْحَنُ فَقَالَ أُبَيٍّ وَيْحَك يَا دَرَاوَرْدِيُّ أَنْتَ كُنْت إلَى إصْلَاحِ لِسَانِك قَبْلَ النَّظَرِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَحْوَجَ مِنْك إلَى غَيْرِ ذَلِكَ اهـ.

أَقُولُ يَنْبَغِي لِمَنْ يُرِيدُ التَّفَقُّهَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى ذَلِكَ تَعَلُّمَ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَعِلْمَ أُصُولِ الْحَدِيثِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ حِينَ يَنْكَشِفُ لَهُ إعْجَازُ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَمَدَارِكُ الْأَئِمَّةِ الْمُسْتَنْبِطِينَ لِلْأَحْكَامِ كَمَا أَنَّ مَنْ أَرَادَ فَهْمَ دَقَائِقِ عِلْمِ الْكَلَامِ مُحْتَاجٌ لِإِتْقَانِ عُلُومٍ ثَلَاثَةٍ: الْمَنْطِقِ وَالْآدَابِ وَالْحِكْمَةِ حَتَّى يَكُونَ فِي تَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَرَدِّ الشُّبْهَةِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ الْحَقِّ وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْفِقْهِ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيمِ عِلْمِ الْأُصُولِ إنْ أَرَادَ فَهْمَ دَقَائِقِهِ فَمَنْ نَظَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ الْأَرْبَعَةِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ وَسَائِلِهَا خَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاءَ، وَلَكِنَّ الْهِمَمَ تَقَاصَرَتْ وَالْعَزَائِمَ تَقَاعَسَتْ - نَسْأَلُ اللَّهَ اللُّطْفَ وَالْعَافِيَةَ وَحُسْنَ الْخِتَامِ - قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ أَنَا عَلَى قَطْعٍ نَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْصِدُ أَنَّ تَمْثِيلَ أَوَامِرِهِ وَكَانَ لَا يَبْغِي مِنْ أَلْفَاظِهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَبْعُوثًا إلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَلَا يَتَأَتَّى إيصَالُ أَوَامِرِهِ إلَى مُعْظَمِ خَلِيقَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالتَّرْجَمَةِ وَمَنْ أَحَاطَ بِمَوَاقِعِ الْكَلَامِ عَرَفَ أَنَّ إحْلَالَ اللَّفْظِ فِي لُغَةٍ مَحَلَّ أَلْفَاظٍ أَقْرَبُ إلَى الِاقْتِصَارِ مِنْ نَقْلِ الْمَعْنَى مِنْ لُغَةٍ إلَى لُغَةٍ فَإِنْ اسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» ، قُلْنَا: هَذَا أَوْلَى مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَنَحْنُ نُحَاوِلُ الْخَوْضَ

<<  <  ج: ص:  >  >>