للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، والعطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم سبحانه وتعالى في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضًا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب (١) فقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: ٢٣] (٢) وأمره الله عَزَّ وَجَلَّ أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتسابا للأجر لا للخوف منهما، وأمره عَزَّ وَجَلَّ أن يدعو لهما بالرحمة أحياءً وأمواتا، جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: ٢٤] (٣) ٦ - بين رسول الله عَزَّ وَجَلَّ بما يجزي الولد والده، فعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (٤). وعن أبي بردة أنه شهد: «ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ورجل يماني يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:

إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر

ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جزيتها؛ قال: "لا، ولا بزفرة واحدة» (٥).


(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ١٠/ ٢٤٦.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٤.
(٤) مسلم، كتاب العتق، باب فضل عتق الوالد، ٢/ ١١٤٨، برقم ١٥١٠.
(٥) الأدب المفرد للبخاري، ١/ ٦٢ برقم ١١، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد ١/ ٣٦: "صحيح الإسناد".

<<  <  ج: ص:  >  >>