للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المؤمن إيماناً مجملاً لا يلزمه أن يكون مؤمناً إيماناً مفصلاً إن لم يعلم ذلك ولم يبلغه ولم يعرفه

ومعنى قوله لم تقم عليه الحجة: لم يعرفها، لم يعلمها، لم تبلغه، ولو بلغته لآمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو بلغته الصلاة فرضت عليه بإجماع المسلمين شرقاً وغرباً، ويلزمه أن يقر بأن الصلاة فرض، ويعتقد لزوم الصلاة له ويلتزم بها، فإنه يرى نفسه ملزماً بالصلاة، فإذا لم يصلِّ بعد ذلك فإنه لم يعمل في هذه الحالة، يعني: في إقرار تصديق وانقياد ما وقر في القلب، وبعد ذلك عمل بالجوارح، فإذا لم يصل أو لم يزك إذا بلغه، فالخلاف فيه مشهور بين العلماء في تكفير من تركه تكاسلاً، وقول الجمهور: إنه لا يخرج من الملة فيما عدا الأركان الأربعة، فهو متفقون فيما عدا الصلاة والزكاة والصوم والحج على أنه لو ترك شيئاً من العمل لم يخرج بذلك من الملة، وإنما صدق وانقاد بقلبه، وأقر بأن هذا يلزمه، ولكن نحن نتكلم عن الولاية، فمن الممكن أن يكون ولياً لله عز وجل وهو لا يعرف بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يجهل بعض ما جاء به الرسول فلم تقم عليه الحجة به ولم يقصر في طلب العلم، حتى لو كان هذا في أي من مسائل الدين، نقول: أهل البدع عندما حددوا نقاطاً معينة، قالوا: بدون هذه لا يكون مسلماً ابتداء، ولا يكون مؤمناً بأسماء الله عز وجل، وهذه هي نقطة البدعة، ولذلك تناقضوا في هذه المسألة، لأنهم لم يختاروا إلا المعنى هذا، فهم يشترطون ثلاث مسائل: النسك، والولاية، والحكم، ولا يشترطون بقية شروط الإيمان، ولا يقفون عند الحدود التي وقف عندها رسول الله، فلو افترضنا أن الشروط الثلاثة فيها إجمال وتفصيل أيضاً، فإن النسك تشملها عبادة على مذهبه وعلى كلام أهل العلم، فالنسك تشمل: الركوع، والسجود في الصلاة، والصيام، والذبح، والنذر، والحب، والخوف والرجاء، ومن الممكن أن تقسم تقسيمات أخرى، فنقول: هذه النسك عبادات ظاهرة بالقول والعمل، ومن الممكن أن نضع عبادات خاصة بالقلب قسماً مستقلاً مادام التقسيم شرعياً، إذاً: فإنَّ فيه سعة الاطلاع، فمن الممكن أن نجعل الولاية أنواعاً: ولاية إجمال، وتفصيل، وفيها: متابعة وحب ونصرة وطاعة ومعاونة وصداقة، فكل هذه من معاني الموالاة، فهل أنت ستشترط كل تفصيل أو ستشترط الإجمال؟ ولو اشترطت الإجمال فالأحرى بك ألا تقبله فيما هو أعم من ذلك، والأحرى بك ألا تخترع تفصيلاً من عندك، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدد هذه الثلاث، لكنه فصل غيرها، فقال: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، فلماذا لم تقولوها، ولم تشترطوها؟ فلو أن أحداً يقول: أومن بأسماء الله وصفاته فقط، أو قال إنه يؤمن أن النبي حدد له أسماء الله تسعة وتسعين مثلاً، وصفات الله عز وجل كذا في الكتاب والسنة، فلو أن واحداً قرأها في آية وعرف معناها وكذب بها فإنه سيكون كافراً، والإيمان بالقرآن فيه إجمال وفيه تفصيل، والإيمان بالرسل فيه إجمال وفيه تفصيل؛ فنحن نؤمن بكل رسل الله، ولا نعرف من هؤلاء الرسل إلا خمسة وعشرين، وأكثرهم لا نعرف أسماءهم، ففي قصة داود عليه السلام لا نعرف اسم النبي الذي أرسل طالوت ملكاً في قومه، قال تعالى: {قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة:٢٤٦] فربنا لم يسمهم، قال: ((وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)) [النساء:١٦٤]، والملائكة من أسمائهم المعروفة ثلاثة أو أربعة معروفة، وغير هذه الأسماء لا نعرفها، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:٣١]، فنقول: لو أن شخصاً كذب بجبريل بعد أن بلغته حقيقته فهو كافر، وقد كذب بالقرآن، ولو كذب بالقرآن يكون كافراً، لكن هل يشترط على من يكون مؤمناً إيماناً مجملاً أن يعرف القرآن آية آية نوقفه عليها؟ نقول: لا يشترط ذلك، بل يكفيه الإيمان مجملاً بأن القرآن كلام الله، ويشهد أن محمداً رسول الله، وما دام أنه لم يعرف أن هناك شيء اسمه القرآن، فهو ليس بكافر حتى يبلغه ذلك، فنبدأ في تعليمه أولاً القرآن، فيمكث سنين حتى يتعلم القرآن، ومن الناس من لا يعرف قراءة القرآن، وبالتالي فما تتضمنه الآيات من عقائد وأحكام لا يعرفها من باب أولى؛ لأن آيات القرآن هي الحجة والدليل، فهو لا يعرف الدليل نفسه فضلاً عما تضمنه الدليل، فإذا كان ثبت إيمانه بدون معرفة الدليل نفسه وكان معروفاً أن هناك دليل فلابد أن يثبت إيمانه ولو لم يعرف ما يدل عليه الدليل، أو لم يعرف مضمون الدليل.

وشروط لا إله إلا الله هذه من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله، لكن في الحقيقة كل أعمال القلوب تدخل في صحة لا إله إلا الله عند الله يوم القيامة، ولكننا لا نستطيع أن نسأل شخصاً ونمتحنه ونقول له: أتشك فيها أم توقن؟ أتعلم تفاصيل معناها أم لا تعلم؟ أتصدق بها بقلبك أم لا يوافق قلبك لسانك؟ فهذه كلها عبادات قلبيه، فنعلمه بوجوبها ونبلغه بانعدام الإيمان بدونها، فلو أنك لا تحب الله سبحانه وتعالى فأنت غير مؤمن، ولو أنك لا تخاف من الله لكنت غير مؤمن، قال تعالى: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:١٧٥]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:٣١] فعلينا أن نعرفه بوجوبها، ولكن لن نتعامل معه في الدنيا بناء على ذلك، فهي متعلقة من أجل أن تنفعه في الآخرة عند الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>