للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[عامة كلام الملاحدة المتصوفة من التخيلات الشيطانية]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم، وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء، لكن لما كان الكلام في أولياء الله، والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وكان هؤلاء من أعظم الناس ادعاءً لولاية الله، وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان؛ نبهنا على ذلك؛ ولهذا كان عامة كلامهم إنما هو في الحالات الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات -الفتوحات المكية-: باب أرض الحقيقة، ويقولون: هي أرض الخيال، فيعترف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، والخيال هو محل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف:٣٦]].

من يتعامى عن ذكر الرحمن وهو القرآن وما أنزله على الرسول عليه الصلاة والسلام يقيض الله له شيطاناً يلازمه فهو له قرين ملازم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف:٣٧ - ٣٨]].

-بعد ما بين المشرق والمغرب- {وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف:٣٩]].

الاشتراك في المصائب يهون وقعها، أما مصائب يوم القيامة فمهما اشتركوا فيها لا يهون عليهم ولا ينفعهم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء:١١٦] إلى قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء:١٢٠].

وقال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم:٢٢]]-بمصرخكم: بمغيثكم، وما أنتم بمصرخي: بمغيثي- وقال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:٤٨].

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أنه رأى جبريل يزع الملائكة)، والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته، قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال:١٢]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب:٩].

وقال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة:٤٠].

وقال تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران:١٢٤ - ١٢٥]].

وهؤلاء -يعني: أصحاب البدع والضلالات والأحوال الشيطانية- تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم، وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام].

لذلك نجد هذا معروفاً عند اليهود والنصارى والمشركين؛ حيث تظهر لهم هيئات كثيرة، وربما يدعون مثلاً أن المسيح قد ظهر على الكنيسة الفلانية، والعذراء قد ظهرت في المكان الفلاني، وكثيراً ما يراه أتباعهم في هذه الأماكن فبعضها من الخيالات، وبعضها من السحر، وانعكاسات ضوئية ونحو ذلك، وأحياناً تكون الشياطين تتمثل، وأهل الإيمان إذا حضروا لم يستطيعوا أن يخدعوهم، إنما يخدعون من كان على شاكلتهم أو من كان ضالاً يعتقد أن الخطابات الكفرية من الإسلام، وهي من المنافقين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان أول من ظهر من هؤلاء -في الإسلام- المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون في ثقيف كذاب ومبير) فكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف الثقفي فقيل لـ ابن عمر وابن عباس: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق، قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢]].

المختار أول ما ظهر دعا إلى الانتقام من قتلة الحسين والانتصار لأهل البيت، وبالفعل سلطه الله عز وجل على طائفة منهم، وتمكن من قتلهم، فحصل له قبول عظيم عند كثير من الناس، ولم يكن يريد وجه الله عز وجل، وإنما كان يريد وسيلة إلى الرئاسة والشهرة، واجتمع له خلق كثير، فبدأ بعد ذلك بادعاء الأحوال الشيطانية والأمور الخارقة، وكان يخدع أتباعه بذلك إلى أن وصل إلى أنه ادعى أن جبريل يأتيه، ولم يدع النبوة صراحة، ولكنه كان يزعم أن جبريل يأتيه، وأنه ينزل عليه ويكلمه، ومن هنا خدع طوائف من الشيعة؛ لأن الشيعة أصلاً مستعدون لقبول مثل هذه الخزعبلات، ثم كان آخر أمره أن قتل على يد مصعب بن الزبير.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل لـ ابن عباس: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام:١٢١]].

فأقروا بصحة النظر أنه يوحى إليه من الشيطان، وما ينزل عليه ما يتنزل على الشياطين.

[وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح التي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعاً من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالاً بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عدداً ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك].

حدثني عدد من الناس بأنهم كانوا عندما تحصل لهم أزمة مالية يأتون إلى المرأة التي معها الجن، فكانوا عندما يقترضون منها يجدون المال تحت المخدة في الصباح بعد ذلك، على أن يردوه بعد أن تنتهي مدته فيضعونه أيضاً فوق الثلاجة، وإذا المبلغ قد اختفى ونحو ذلك! وغالباً يكون هذا مالاً مسروقاً، وقد يكون السارق جنياً مسلماً، وليس معنى أنه جني مسلم أن يكون الفعل جيداً، فبعضهم يقول: هذا جني مسلم، طيب! وإذا كان مسلماً؟! الجني المسلم ممكن أنه يسرق بل الجهل يغلب على الجن بكثرة، ألسنا نرى أحوال الإنس من المسلمين؟! إذاً: الجن المسلمون سيكونون أسوأ؛ لأن النوع الجني أصلاً فيه خفة وضعف عقل؛ ولذلك لم يكن منهم رسل، فربنا عز وجل إنما جعل النبيين في جنس البشر، ولم يجعلهم في الجن؛ لأن الجن أصلاً فيهم من النقص بالنسبة إلى الإنس الشيء الكثير؛ ولذا كرم الله بني آدم عليهم، فكونه يقول لك: معي جني مسلم ويجعلها مفتاحاً لكل أنواع الشرور، ويسأله عن المغيبات، ويحضر له الأشياء المفقودة الغائبة، ويطلب منه قضاء الحاجات، ثم يقول لك: هذا جني مسلم! فنقول: حتى لو كان مسلماً فإن ذلك لا يبيح التعامل معه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه ذلك يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون].

وهذا الكفر كله، وكونه يمدح الكفرة المقطوع بكفرهم هذا مخرج من الملة، وتنقص الأنبياء من أسباب الكفر أيضاً.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويذم المسلمين المحمودين عند المسلمين كـ الجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهما ويمدح المذمومين عند المسلمين كـ الحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية].

الحلاج كان يقول: لا إله إلا الله، ما في الجبة إلا الله! ليس أي جبة وإنما الجبة التي هي له، وقد قتل على الزندقة، ولذلك تجد هناك علامة مميزة في منهج المتصوفة، هل هو يقدم هؤلاء أو يقدم الشيوخ المحمودين كـ الجنيد وأمثاله، فإذا ذكر وقدم

<<  <  ج: ص:  >  >>