للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[أقسام الناس في خوارق العادات]

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه، وذكر ما نعرفه من ذلك، فإنا قد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه في هذا المختصر الذي كتب لمن سأل أن نذكر له من الكلام على أولياء الله تعالى ما يعرف به جمل ذلك.

والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام: قسم يكذب بوجود ذلك لغير الأنبياء، وربما صدق به مجملاً، وكذب ما يذكر له عن كثير من الناس لكونه عنده ليس من الأولياء].

وقد وقع في زماننا هذا الصنف، فيوجد كثير ممن ينتسب إلى السنة وينكر كل كرامات الأولياء جملة؛ فيقع في نوع من البدعة بذلك، وبعض الناس ينتسبون إلى السنة وينكرون خوارق العادات التي تقع لأولياء الله سبحانه وتعالى فخالفوا بذلك عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات كرامات الأولياء.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان ولياً لله، وكلا الأمرين خطأ].

فقسم يكذب بخوارق العادات، وقسم يجعل أي خارق للعادة علامة على الكرامة، فيمكن أن تجري الخارقة أو العادة وليست بالكرامة؛ لأنها من أحوال الشياطين، لكن ينظر في اتباع الإنسان للشرع، فإن جرت الخارقة للعادة على يد ملتزم بالشرع فهذا يدل على أنها كرامة، وإذا جرت خارقة العادة على يد من يخالف الشرع بشرك أو بدعة أو ضلالة علم أنه من أحوال الشياطين.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان ولياً لله، وكلا الأمرين خطأ].

أي: إنكار الكرامات بالكلية والخوارق، أو إثبات أن كل خارق يعتبر كرامة.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا تجد هؤلاء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب نصراء يعينونهم على قتال المسلمين، وأنهم من أولياء الله، وأولئك يكذبون أن يكون معهم من له خرق عادة].

يعني: أن الأولين يقولون: هؤلاء أولياء الله وهم الذين يساعدوهم علينا، فكيف يكونون أولياء الله وهم يحاربون المسلمين؟! يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [والصواب: القول الثالث، وهو أن معهم من ينصرهم من جنهم لا من أولياء الله عز وجل، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:٥١].

وهؤلاء العباد والزهاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسنة تقترن بهم الشياطين، فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، ولكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضاً، وإذا حصل من له تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم].

أي: إذا وجد من له تمكن من أولياء الله عند هؤلاء فإنه يبطل خوارق العادة، أي: العباد والزهاد الذين هم على طرق بدائية، ويبذل جهداً في العبادة على خلاف السنة، وكذا الذي يظهر الزهد، أو هو زاهد بالفعل يعني: تارك لكثير من زخارف الدنيا، لكنه على اعتقاد شركي والعياذ بالله! كالرهبان في الصحاري فلا شك أنهم تركوا كثيراً جداً من زخارف الدنيا، لكن على شرك وضلال قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية:٢ - ٤].

فهي عاملة ناصبة لكن على الباطل؛ فهي تصلى ناراً حامية.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا بد أن يكون في أحدهم من الكذب -من العباد والزهاد الذين هم ليسوا من أولياء الله، وإنما هم على ضلال واقتران بالشياطين- جهلاً أو عمداً، ومن الإثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم، ليفرق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين المتشبهين بهم من أولياء الشياطين، قال الله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢] والأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر].

أي: لا بد أن يكون عندهم كذب وإثم ليتناسب مع الشيطان، أما الذي ليس عنده كذب ولا إثم فإن الشياطين لا تتنزل عليه، فلا تجري خوارق العادات إلا على من عنده كذب وإثم، قال تعالى: {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:٢٢٢]، والأفاك: الكذاب، والأثيم: الفاجر.

<<  <  ج: ص:  >  >>