للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الملائكة في نظر المتفلسفة]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيساً كثيراً، كإطلاقهم أن الفلك محدث أي: معلول، مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقاً بالعدم، وليس في لغة العرب، ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثاً، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك كما قد بسط في غير هذا الموضع.

وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبريل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة، وزعموا أنهم أولياء الله، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة، كـ ابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعدن عنده هو العقل، والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن العقل الذي هو أصل الخيال، والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي، ولو كان خاصة النبي ما ذكروه، ولم يكن هو من جنسه فضلاً عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين، والنبوة أمر وراء ذلك؟! فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم فضلاً عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة كـ الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين].

شيخ الإسلام دائم الثناء على هؤلاء المشايخ وهم من كبار الموصوفين بالصوفية، وربما بعضهم تسمى بأنه من الصوفية، وكما تكلمنا عن هذا الاسم أنه ليس محموداً فهو حادث، ولكن كان من الزهاد والعباد ممن هو على منهج أهل السنة والجماعة ممن اشتهر بملازمته لطريق الزهد ونحو ذلك؛ فأطلق عليه مثل هذا الاسم، والعبرة بوجود المعتقد الصحيح، والسلوك الصحيح، والبعد عن البدع والضلالات، والذين ذكرهم هم مقدمون في أمر الزهد والعبادة، وهم في الجملة ملتزمون بمنهج أهل السنة والجماعة، وإن أثر على بعضهم بعض الأقوال أو الأفعال فهذا مما لا يسلم منه أحد، إما أنهم اجتهدوا فأخطئوا، أو خطؤهم مغمور بالنسبة إلى فضائلهم وعبادتهم والله أعلم.

وعلى أي حال: فهم لم يبلغوا منزلة السلف المتقدمين رضي الله تعالى عنهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الملازمين للكتاب والسنة.

<<  <  ج: ص:  >  >>