للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حقيقة الإرادة الكونية والإرادة الدينية]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالإرادة الكونية هي مشيئته لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وإرادته الكونية].

يعني: أنه يقدر خيرها وشرها، والإيمان بالقدر كوني وشرعي، فالله هو الذي قدر وجود الخير وقدر وجود الشر، ولم يقل: إن الشر خارج عن قضاء الله، أو عن قدره، بل إن الشر واقع بقضاء الله، وهو مخلوق من مخلوقاته، فهذا إبليس مخلوق، بل هو شر والعياذ بالله، وهو مصدر فعل الشر في الناس بوسوسته لهم، ومع ذلك فإن الله عز وجل، لا يحب إبليس، ولا أفعاله، ولا من يستجيب لوسوسته.

ثم قال: [والإرادة الدينية: هي المتضمنة لمحبته ورضاه، المتناولة لما أمر به وجعله شرعاً وديناً، وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح].

يعني: ليست شاملة لكل المخلوقات، بل في الخير فقط؛ لأن الله يحب الإيمان والعمل الصالح، ويحب المتقين والمحسنين.

ثم قال: [قال الله تعالى في الأولى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام:١٢٥]].

هذه الإرادة الكونية، يعني: إرادة أن يكون هذا مؤمناً وأن يكون هذا كافراً.

قوله: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ)).

هذا فيه ترغيب للإنسان بسلوك طريق الهداية وقوله: ((يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)).

يعني: يشرح بمعنى يجعل الله عز وجل الهداية في قلبه، والإسلام هو شرع الله سبحانه وتعالى.

وقوله: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ٣) [الأنعام:١٢٥].

هذا الجعل كوني، والحرج مثل الشجرة التي تكون محاطة بأشواك من كل جانب فلا يستطاع الوصول إليها، فالحرج: هو الشيء الضيق.

وقوله: ((كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)).

أي: كأنما يكلف الصعود في السماء، أو كأنما يكلف المستحيل، حين يقولون له: اطلع إلى السماء وهو في الأرض، وهو لا يستطيع.

والمؤلف رحمه الله تعالى سيذكر الآن جملة من الآيات في الإرادة الكونية، ومن ثم يذكر الفرق بينها وبين الإرادة الشرعية.

ثم قال: [وقال نوح عليه السلام لقومه: {وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود:٣٤]].

فهنا يريد الله إغواء الناس ومع ذلك لا يكون هذا منه ظلماً؛ لأن إرادة الإغواء وقعت فيهم من خلال عملهم؛ والله تعالى قد أعطاهم قدرة وعقلاً، وأرسل إليهم رسلاً، وأعطاهم إرادة، وهم فعلوا بإرادتهم ما يخالف ما جاءت به الرسل، فالحجة قائمة لله عز وجل على عباده، ولم يظلمهم؛ لأنه يتصرف سبحانه وتعالى في ملكه بالحكمة والعدل، فالملك ملكه عز وجل، وليس معنى ذلك أنه يتصرف فيه حتى ولو كان بالظلم والعدوان، حاشاه تعالى أن يظلم نفساً شيئاً، ولا يوجد أحد أرغمه الله وأكرهه على فعل الشر وهو يريد الخير، ولا يوجد شخص وجد يده رفعت وأمسكت زجاجة خمر وصبتها في فمه من غير إرادة منه، ولا يوجد شخص وجد نفسه يسجد للصنم مغصوباً، وأيضاً لا يوجد شخص وجد نفسه يجر غصباً عنه إلى الزنا، ولو كان كذلك لكان غير مكلف، ومعلوم أنه لو اغتصبت امرأة فهي غير آثمة، ولو أن شخصاً وضعوا رأسه غصباً أمام صنم فهو غير آثم؛ بالقيد الذي في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:١٠٦] فلا يعاقب على ذلك.

فنقول: إن الله يريد إغوائهم؛ لأنهم أهل شر وفساد، والله تعالى أعلم بالظالمين.

ثم قال: [وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:١١]].

تقول المعتزلة: الله لا يريد إلا الخير.

نقول: نعم، لا يريد إلا الخير شرعاً، لكن لا تقل: لا يريد إلا الخير كوناً؛ لأن الله تعالى يقول: ((وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا))، فهؤلاء أراد الله بهم سوءاً.

ثم قال: [وقال الله تعالى في الثانية، {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:١٨٥]] هذه الإرادة الشرعية، ولو كانت هذه الإرادة كونية، لكان لكانت أمور الدنيا ميسرة وليس فيها عسر وضيق، لكن يريد الله بكم اليسر في الشريعة.

ثم قال: [وقال في آية الطهارة: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:٦]، ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح، قال: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:٢٦ - ٢٧]].

هذه إرادة شرعية، ولو كانت هذه إرادة كونية لتاب الناس كلهم بقوله: ((كُنْ فَيَكُونُ) وكذلك قوله: ((يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) لو كانت هذه الهداية هداية الخلق التي هي خلق الإرادة في قلوبهم، أي: الإرادة الكونية لاهتدى جميع الناس.

ثم قال: [{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:٢٨]] أي: هذه الشرائع أراد الله منها أن يخفف عنكم.

ثم قال: [وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وما نهاهم عنه قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:٣٣]، والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، فمن أطاع أمره كان مطهراً قد أذهب عنه الرجس، بخلاف من عصاه.

<<  <  ج: ص:  >  >>