للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ذم التفرق في الدين]

قال المؤلف رحمه الله: [كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا معشر الأنبياء ديننا واحد)، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى:١٣]].

إذاً: الدين الذي فرضه الله على الأنبياء وشرعه لهم هو دين واحد لا يجوز التفرق فيه، والتفرق بمعنى: أن يجعل شيء لله وشيء لغيره، أي: شيء من العبادة لله وشيء لغيره، هذا -والعياذ بالله- هو التفرق المذموم.

[وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:٥١ - ٥٣]].

فبدلاً من أن يقيموا الدين كله، ويلتزموا بما جاءت به الرسل كله، قطعوا أمرهم فكل طائفة أخذت قطعة ((زُبُرًا)) أي: قطعاً وأجزاءً، فكل منهم تمسك بشيء زعم أنه يتمسك به وترك غيره، وتركه لغيره تضييع لما تمسك به، فلا يكون متمسكاً بشيء، فلو قلنا مثلاً: إن النصارى زعموا تمسكهم بحب المسيح، لكنهم لما غلوا فيه ورفعوه فوق منزلته صاروا غير متمسكين، ولما زعم اليهود تمسكهم بالإيمان بموسى صلى الله عليه وسلم وتركوا الإيمان بمن جاء بعده صاروا غير متمسكين بموسى، فهؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، ((كُلُّ حِزْبٍ)) كل طائفة، ((بِمَاَ لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)).

كذلك أهل البدع تجدهم يزعمون التمسك ببعض النصوص ويتركون البعض الآخر، وكل طائفة مبتدعة تفعل ذلك وتقع فيه، فهذا الذي حذر الله منه، ومن هنا يحدث التفرق في الدين، فالدين واحد، ولذلك ليس هناك حقيقة مخالفة للشريعة، وهذا الذي يذكره شيخ الإسلام فيقول: (والحقيقة: حقيقة الدين دين رب العالمين: هي ما اتفق عليه الأنبياء والمرسلون، وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج)، والحقيقة هذه أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يستسلم له وحده لا شريك له، وبالتالي فلا يوجد شيء اسمه الحقيقة الذي عند أهل التصوف بمعنى: أن أصحاب الحقيقة لا يلتزمون بشريعة، فهذا وهم باطل ليس من الدين، وحقيقة الدين: هي أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نلتزم بشريعته ظاهراً وباطناً، فلا يجوز أن نجعل خلافاً بين الحقيقة والشريعة إذ هما شيء واحد في الحقيقة، والحقيقة: أن يكون الإنسان مستسلماً لله سبحانه وتعالى على ما جاءت به الرسل، فهذه هي حقيقة دين الإسلام، أما أن يقال: هؤلاء أصحاب الشريعة يتمسكون بها ظاهراً، والآخرون أصحاب الحقيقة لا يلزمهم الشريعة الظاهرة، فهذا خلاف دين الإسلام الذي جاءت به كل الرسل.

نحن قلنا: من استسلم لله ولغيره يكون مشركاً، ومن أبى الاستسلام بالكلية يكون مستكبراً كافراً مشركاً؛ لأنه اتبع هواه، وعبد الشيطان في الحقيقة الذي وسوس له هذا الأمر، فهو شرك من هذه الجهة، وإن كان هذا شرك إبليس والعياذ بالله، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر بالتلازم، وإن كان واحد يغلب عليه شيء، والثاني يغلب عليه شيء آخر، فإذا نظرت إلى اليهود فهم مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، فاليهود مغضوب عليهم وضالون، والنصارى مغضوب عليهم وضالون، ولكن هؤلاء أحق بوصف الغضب، وهؤلاء أحق بوصف الضلال، لكن بلا شك أن الذي علم الحق ولم يعمل به ضال أيضاً، وليس فقط مغضوب عليه؛ لأن هذا نوع من الضلال، لكونه يعلم الحق ولا يلتزم به، وكذا الذي ضل عن الحق ولم يعلمه مغضوب عليه، فكذلك: كل كافر مشرك، وكل مشرك كافر، فشخص يشرك في عبادة الله والآخر يتكبر عن عبادة الله، الذي يتكبر عن عبادة الله هذا يتبع إبليس والعياذ بالله وهواه؛ لأنه اتخذ إلهه هواه فصار مشركاً والعياذ بالله، وهذا أشرك بالله وقد فطر على التوحيد.

<<  <  ج: ص:  >  >>