للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[وصف الملائكة في القرآن]

قال رحمه الله تعالى: [والله سبحانه وتعالى قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء].

يعني: قولهم: إن لملك هو الخيال قطعاً هذا كلام يخالف ما في الكتاب والسنة؛ لأن إيمانهم بالملائكة في الحقيقة تكذيب بهم.

وهذه الآيات التي وصف الله بها ملائكته في كتابه تبين أنهم مخلوقون لهم وجود، ولهم أعمال وأفعال وقدرات.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]].

بين الله عز وجل أن الملائكة ليسوا بنات لله، ولا أولاد له سبحانه وتعالى، كما يعتقد النصارى ويعتقد المشركون أن الملائكة بنات الله، وبين عز وجل أنهم عباد، وأنهم مكرمون عنده عز وجل لهم منزلة كريمة، وأنهم لا يعملون عملاً قبل أن يأمرهم الله، لا يسبقونه بالقول، وأنهم إذا أمروا نفذوا كلما أمروا به، قال تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:٦]، {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:٢٧]، وأن الله عز وجل محيط بعلم ما عندهم وما بين أيديهم وما خلفهم، وأن الملائكة لا تشفع إلا لأهل التوحيد والإخلاص ممن رضي الله أن يشفع فيهم، ومع ذلك هم في إشفاق ووجل وخشية لله تعالى، فكل هذه الصفات تثبت وجوداً لهؤلاء، فهم أصل المخلوقات النورانية كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الملائكة: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم).

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم:٢٦]].

إذاً: هم يشفعون لمن شاء الله ورضي أن يشفع فيه، وقد بين سبحانه أن ذلك إنما يكون في أهل التوحيد ولا ينفع المشركين شفاعة الشافعين.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:٢٢ - ٢٣]].

لأن المشركين كانوا يدعون الأوثان على أنها ترمز للملائكة، فبين عز وجل حقيقة الأمر فقال: ((قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) زعمتم أنهم آلهة تعبد من دون الله! ((لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ))، فنفى الملك التام لذرة فما فوقها، ثم نفى المشاركة في هذه الذرة فما فوقها فقال: ((وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ))، ثم نفى المعاونة، فالملائكة لا تعاون الرب سبحانه وتعالى، بل هم يعملون بأمره وهو عز وجل الذي قواهم وأعطاهم الحول والقوة والقدرة، قال: ((وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)) أي: من معين، {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}، لم يبق إلا مقام الشفاعة، فبين عز وجل أنهم لا يشفعون إلا لمن أذن الله له أن يشفع؛ وذلك بعد الاستئذان، ويكون هو من خاصة أهل الإيمان والتوحيد، ويشفعون لمن ابتغى الله، وهم أيضاً من كان من أهل الإيمان والتوحيد وإن نقصت أعمالهم عن استحقاق دخول الجنة من غير عذاب في النار.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:١٩ - ٢٠]].

فبين أن الملائكة وغيرهم مملوكون لله، ((وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ)) أي: الملائكة ((لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ)) لا ينقطعون، استحسر بمعنى: انقطع ولم يستمر، فهم لا يكلون عن العبادة، قال: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} لا يصيبهم فتور وهو ضعف في العمل.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر أن الملائكة جاءت إبراهيم عليه السلام في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشراً سوياً، وكان جبريل عليه الصلاة والسلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي -مثل حديث تعليم الناس الإسلام والإيمان والإحسان- ويراهم الناس كذلك، وقد وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بأنه: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير:٢٠ - ٢١]].

قوله: (ذي قوة): هذا فيه إثبات القوة والقدرة للملائكة، ((عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)) عند الله عز وجل ((مَكِينٍ)) ذو مكانة، ((مُطَاعٍ)) هناك عند الله في السماوات؛ لأنه يكون أول من يرفع رأسه إذا سمع كلام الله، وتسجد الملائكة عند ذلك، فإذا رفع جبريل رأسه رفعت الملائكة رءوسها، فهو مطاع من الملائكة عند الله ((ثَمَّ)) أي هناك، ((أَمِينٍ)) مستأمن على أعظم رسالة وهي الرسالة إلى البشر.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن محمداً صلى الله عليه وسلم {رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير:٢٣]].

أي: رآه بأجياد عندما رآه أول ما رآه على صورته التي خلقه الله عليها.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووصفه بأنه: {شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم:٥ - ١٨]].

جبريل {شَدِيدُ الْقُوَى}، ((ذُو مِرَّةٍ)) ذو خلق حسن، وقيل: ذو قوة، ولكن القوة ذكرت في الآية قبلها: {شَدِيدُ الْقُوَى}، فقوله: ((ذُو مِرَّةٍ)) أي: ذو خلق حسن، فهو في قوة عظيمة، وخلق حسن جميل، ((فَاسْتَوَى)) فعلا وارتفع، {وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} أي: أنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الأفق، كما ذكر ذلك في سورة: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:١]، ((ثُمَّ دَنَا)) بعد أن ارتفع دنا أي: قرب من النبي صلى الله عليه وسلم، ((فَتَدَلَّى)) فنزل، فكان في قربه من النبي صلى الله عليه وسلم قدر قوسين، وإنما يقدر العرب الشيء اليسير بقدر قوسين، و (أو) ليست للشك، بل هي بمعنى بل.

{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} أوحى الله من خلال جبريل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى من القرآن، {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى، {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} هذا قد رآه بفؤاده وبعيني رأسه صلى الله عليه وسلم، فرأى جبريل على صفته التي خلقه الله عليها، ((أَفَتُمَارُونَهُ)) أتجادلونه ((عَلَى مَا يَرَى)) وهذا دليل على أن المعاينة أعلى درجات اليقين.

ثم قال: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} مرة أخرى، {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} عند السدرة التي في السماء السابعة التي ينتهي إليها ما يصعد إليها من تحتها فيقبض هناك، وينتهي إليها ما ينزل إليها من فوقها فيقبض هناك.

وقوله: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} عندها الجنة التي تأوي إليها أرواح المؤمنين ثم أجسامهم بعد ذلك، {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} يغطي هذه السدرة، وهي شجرة نبق ((مَا يَغْشَى)) تعظيم لشأنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: (غشيها ألوان ما أدري ما هي!) كانت تتغير حتى تغيرت ألوانها فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يصفها من حسنها، (وغشيها فراش من ذهب)، جاء عليها فراش من ذهب.

قال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} فيه بيان أن المعراج كان بالروح والجسد قطعاً؛ لأن البصر من صفات البدن، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} مدح للنبي عليه الصلاة والسلام أنه ما زاغ، وزيغ البصر: اضطرابه من شدة هول ما يرى ((وَمَا طَغَى)) ليتطلع إلى غير ما أذن له فيه، قال تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} رأى آيات عظيمة.

الشاهد: أن جبريل له وجود وليس مجرد خيال، نزل وتدلى واقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، وأوحى إليه ونقل إليه الوحي.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ول

<<  <  ج: ص:  >  >>