للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[نظرية العقول العشرة عند الفلاسفة]

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء، وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:٣١]، وليسوا عشرة وليسوا أعراضاً].

الأعراض: الصفات تعرض أو الأفعال.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو: العقل الأول، وعنه صدر كل ما دونه، والعقل الفعال العاشر رب كل ما تحت فلك القمر].

الذي هو آخر فلك من الأفلاك والعياذ بالله، وهذه كلها فعلاً عقائد لدى المتفلسفة.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل].

فهم على العموم يعبدونها على أنها ترمز للقوة، وآخر شيء الذي هو العقل الفعال العاشر، والأفلاك عندهم عشرة آخر شيء منها تحت فلك القمر، فـ ابن سينا يعتقد هذه العقيدة كما هو اعتقاد اليونان أن رب كل ما تحت فلك القمر هو العقل الفعال العاشر.

نحن نتكلم على أساس هذا الضلال من أين أتى؟ من أجل أن نبين أن هؤلاء فعلاً جاءوا بما لم يأت به الرسل، والكلام هذا موجود في الكتب، فهؤلاء أناس منتسبون إلى الإسلام ويتكلمون بهذه الفلسفة، فـ ابن سينا الناس يسمونه فيلسوف الإسلام ويعظمونه جداً، ومنهم من يعتقد أن ابن سينا هو الأستاذ الذي علم أوروبا! فـ ابن تيمية يتسلسل في هذا الكلام من أجل أن يبين أن الصوفية الذين فرقوا بين الحقيقة والشريعة جاءوا بهذا من هذا الكلام، الذي هو بالاضطرار معلوم أن هذا خلاف دين الرسل، وكلام ابن عربي عندهم مثل الكبريت الأحمر، وهو الشيخ الأكبر، صاحب كتاب: فصوص الحكم، والفتوحات المكية، فعندهم هذه من أعظم الكتب التاريخية التي لا نظير لها، ويقولون: إنه هو خاتم الأولياء، وإنه أعلى من الرسل، فالرسول عندهم دون الولي، إذاً الولي أعلى من الكل والعياذ بالله، فهذا الكلام هو الذي جعل الصوفية المتفلسفة وكل الفرق الضالة المنحرفة المنتسبة إلى التصوف تعظم هؤلاء، فهو يريد أن يخرج جذور ضلالهم من أجل أن الناس يعرفون أن هذا الكلام نابع من غير دين الإسلام، فهذا دين آخر في الحقيقة، فالصوفية المتفلسفة الذين أصلهم ابن عربي وابن الفارض والتلمساني وأمثال هؤلاء، فهؤلاء أصلاً يقولون بدين آخر غير دين الإسلام، والتلمساني الصوفي هو غير التلمساني المعاصر.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل].

وأي شخص يتكلم في هذا الباب ولم يكن عنده علم يتأثر به، فتجد مثلاً كتاب محاسن التأويل للقاسمي عندما يأتي يتكلم في تفسير قوله تبارك وتعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف:٦٥]، يتكلم عن العلم اللدني، وهو مأخوذ من كلام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، فهو ينقل كلام الفلاسفة دون أن يعلق عليه؛ من أجل ذلك قالوا: إن الغزالي دخل في بطن الفلسفة ولم يستطع أن يخرج منها، مع أنه رد على الفلاسفة وألف كتاب: تهافت الفلاسفة وكفرهم، لكن بقيت عنده آثار، فيقول في العلم اللدني: إن علم الرسل: هو زوال الحجب من العقل الكلي والجزئي، الذي هو عقل الرسول من الوحي، والعقل الكلي: جبريل، وإن العلم اللدني: هو زوال الحجب بين النفس الكلي وبين النفس الجزئي التي هي نفس الولي، وإن النفس الكلي عند الفلاسفة هو اللوح المحفوظ، فقال كلام الفلاسفة بالضبط، وصاحب محاسن التأويل -مع أن كتابه جيد جداً- نقل الكلام ولم يقل فيه ولا كلمة، والذي لا يعرف أصلاً عقائد الفلاسفة التي هي فعلاً عقائد الفلاسفة الكافرة التي ذمها الشيخ، وهي فعلاً يعلم فسادها بالاضطرار من دين الإسلام، وأنها شيء ليس له علاقة بالدين الذي جاء به موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم يظن أن هذا الكلام هو كلام المحققين، وقد وقع في هذا كثير من الناس.

إذاً: من أجل ذلك نقول: إن هذا الأمر لابد من التحذير منه، ونعلم أن الكلام هذا ليس كلام أهل الإسلام والإيمان، ولا كلام أحد من أتباع الرسل، فمن أجل ذلك نقول: إن هذا منهج مختلف تماماً مع الدين، ولا يمكن أن نقول: إن هؤلاء في يوم من الأيام سيكونون مصدر صحوة للأمة، بل هؤلاء أولياء الشيطان فعلاً -والعياذ بالله- وإن كان كثير من الناس يخدعون بهم ويقولون: إن هؤلاء أناس يصلون ويصومون ويتعبدون إلى آخره، لكن حقيقة منهجهم أنهم يعظمون هؤلاء المبتدعين -بل هؤلاء الزنادقة الملحدين- ويتبعونهم على ذلك، وحقيقتهم خلاف دين الإسلام.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله].

العقل الكلي الذي جعلوه الملك الأول جبريل يجعلونه مبدعاً لما تحته، فكل فيض في وزن العقل من واجب الوجود مبدع خالق لما تحته، وفي الحقيقة: الخلق عندهم عبارة عن فيض وليس عن الإحداث من العدم، وعقيدة أن المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا تخلق من عدم، هي عقيدة الفلاسفة المتقدمين؛ لأنهم يقولون أصلاً: العالم قديم غير مخلوق، وهو فيض فاض من واجب الوجود، والفيض هذا هو الذي يسمونه أحياناً خلقاً، ولكن هو في الحقيقة ليس مخلوقاً من عدم، إنما هو فيض فاض بأن تتابع الفيض الأول في الفيض الثاني، فهذا معناه أنه مبدع لما تحته، يعني: العقل الكلي فاض منه عشرة عقول، من أجل ذلك يقول: هذا مبدع لعشرة عقول، وآخر صاحب عقل فعال؛ ولذا يقولون: رب كل ما تحت القمر؛ لأنه فاض منه آخر شيء الذي هو الهيولى الذي هو المادة التي تتكون من أربعة: هواء وماء ونار وتراب، والأربعة هذه عكس الأربعة التي تشكلت منها الأرض، فهذه تهدمت وانتهت منذ سنين طويلة، وهذا هو المقبول، وقد بقيت بقايا فلسفية أثرت في العلوم التجريبية الأخيرة مثلهم قولهم: المادة لا تفن، ولا تستحضر، ولا تخلق من عدم، وحتى نظرية تحول الطاقة إلى مادة، والمادة إلى طاقة، وأن العالم كله كان طاقة في البداية هي نظرة انشتاين التي مردها أيضاً إلى نفس التطور الأول، الذي هو: أنه لابد أن تكون المادة غير مخلوقة، بمعنى: غير مستحدثة، فأهل الإسلام واليهود والنصارى كل اعتقاداتهم أن العالم هذا كان عدماً محضاً ثم ربنا أوجده، وأنه كان الله ولم يكن شيء غيره، وهذه عقيدة كل الملل التي تتبع الرسل، وعقائد الفلاسفة أثرت تأثيراً خطيراً جداً مع كونها مخالفة لكل ما جاءت به الرسل من المعلوم بالاضطرار من دين الرسل، فهؤلاء كلامهم كفر فظيع، فهم يقولون بقدم العالم، وهذا كفر لوحده، كذلك يقولون باكتساب النبوة، وشيء آخر أيضاً معلوم من الدين بالضرورة، وهو: القول بعدم بعث الأرواح؛ لأن الأرواح هذه مرحلة من المراحل التي نعبر بها هذه الحياة، ومن بعد ذلك الأرواح ستتحول إلى شيء آخر ولن تعود!

<<  <  ج: ص:  >  >>