للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الكشف والإلهام والمخاطبة يستأنس بها ولا يستدل بها]

ثم يذكر ابن تيمية القاعدة في التعامل مع الإلهام الذي يلقى في القلب فيقول: (ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقاً، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاماً ومحادثة وخطاباً من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد؛ فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه).

وهذا يتضح فيما حصل من عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أحداث صلح الحديبية، إذ وقع في نفسه أن ما كان في صلح الحديبية دنية في الدين مع أن ذلك كان عزة في الدين، ولم يكن ذلك إلا من الشيطان، ولا يبعد أن يأمر الشيطان ولي الله عز وجل كما حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا يأكل مع الأضياف لما امتنعوا من الأكل، فقال لما رجع عنها: الأولى من الشيطان، فعلم أن اليمين التي أقسم من الشيطان ليؤدي إلى فساد العلاقة بينه وبين أضيافه، وبينه وبين أفراد أسرته.

فإذا كان هؤلاء هم سادة الأولياء وأفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل أفضل الناس بعد الأنبياء على الإطلاق وأفضل أصحاب الأنبياء، فهل يمكن أن يكون من دونهم في الولاية لا يأتيه الشيطان؟!

الجواب

لا، فهذا كلام فاسد ولكن لهم فضيلة ومنزلة، فإنهم كلما يغلبون من الشيطان سرعان ما يرجعون لما عندهم من العلم.

وأهل السنة يثبتون الإلهام، والكشف، والمخاطبة، ولكن يستأنسون بها ولا يستدلون بها، فهي ليست أدلة قاطعة، ولذا لا تصلح دليلاً شرعياً تثبت به العبادات مثلاً، وفرق كبير جداً بين الصوفية وبين أهل السنة في هذه مسألة: فإنهم يأتون بالأوراد الكثيرة بحيث تكون كل طريقة لها وردها من خلال أنهم يدعون الإلهام والكشف، التي لا تصلح دليلاً، بل إذا عرضتها على الأدلة ظهر أنها محدثة بدعة، فلا يجوز أن يبنى عليها حكم شرعي باستحباب كذا أو بكراهية كذا، أو لزوم كذا، وأحياناً يلزمون السائر في الطريقة بأشياء معينة لم ترد في الكتاب ولا السنة، ولا قول صحابي ولا غيره.

فمن هنا نقول: فرق كبير بين من يجعلها أموراً يستأنس بها كالرؤى والمنامات والكشف والإلهام، فيستأنس بها بعد أن تعرض على الكتاب والسنة، ويمكن أن تكون مقوية لقلوب أهل الإيمان في الخير، ويجب أن ترد إذا كانت مخالفة، وبين الاستئناس من حيث كونه دليلاً معضداً أو دليلاً مرجحاً أحياناً؛ وكونه دليلاً مستقلاً دون نظر إلى الكتاب والسنة، فهم يستأنسون بها ولا يستدلون بها.

<<  <  ج: ص:  >  >>