للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لو أُخِذَ بالدية لأوشك أنْ تأتيَ على جميع ماله؛ لأن تتابع الخطأ منه لا يُؤمن، ولو تُرك بغير تغريم لأهدر دم المقتول.

قال: ويحتمل أنْ يكون السر فيه أنه لو أُفْرِدَ بالتغريم حتى يفتقر لآل الأمر إلى الإهدار بعد الافتقار، فجُعِلَ على عاقلته لأنَّ احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة؛ ولأنه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة أدعى إلى القبول من تحذيره نفسه، والعلم عند الله تعالى". اهـ (١)

المذهب الثاني: أَنَّ تغريم العاقلة هو من باب المواساة للجاني والتخفيف عنه.

ويرى أصحاب هذا المذهب أَنَّ الجاني لم يرتكب ذنباً حتى تتحمله العاقلة، وإنما ارتكب خطأً لم يَقْصُدْ إليه، ومن باب التخفيف عليه جُعِلت الدّية مشتركة بينه وبين عاقلته حتى لا تُجْحِفَ في ماله.

وهذا المذهب قال به جماعة من أهل العلم، منهم: الجصاص، والخطابي، والسرخسي، والكاساني (٢)، والرازي، والطاهر ابن عاشور، والآلوسي، والشنقيطي. (٣)

قال الجصاص: "تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطأ على العاقلة، واتفق السلف وفقهاء الأمصار عليه.

فإنْ قيل: قال الله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلَا بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ" (٤)، وقال لأبي رِمْثَةَ (٥) وابنه: "إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي


(١) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ٢٥٦).
(٢) هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين: فقيه حنفي، من أهل حلب. له (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) في الفقه، و (السلطان المبين في أصول الدين). توفي في حلب سنة
(٥٨٧هـ). انظر: الأعلام، للزركلي (٢/ ٧٠).
(٣) انظر على الترتيب: أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢٨١)، وأعلام الحديث، للخطابي (٤/ ٢٣٠٨)، والمبسوط، للسرخسي (٢٦/ ٦٦)، وبدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٢٥٥)، ومفاتيح الغيب، للرازي
(٢٠/ ١٣٨)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (١٥/ ٥١)، وروح المعاني، للآلوسي (١٥/ ٤٧)، وأضواء البيان، للشنقيطي (٣/ ٤٧١).
(٤) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب تحريم الدم، حديث (٤١٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٢١٧)، حديث (٧٢٧٧).
(٥) هو: أبو رمثة التيمي، من تيم الرباب، قيل: اسمه رفاعة بن يثربي، وقيل: يثربي بن عوف، وقيل: يثربي بن رفاعة، وبه جزم الطبراني، وقيل: اسمه حيان بتحتانية مثناة، وبه جزم غير واحد، وقيل: حبيب بن حيان، وقيل: حسحاس، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى له أصحاب السنن الثلاثة، وصحح حديثه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر (٧/ ١٤١).

<<  <   >  >>