للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عَلَيْكَ" (١)، والعقول أيضاً تمنع أخذ الإنسان بذنب غيره.

قيل له: أما قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤]، فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة؛ لأنَّ الآية إنما نَفَتْ أنْ يُؤخذ الإنسان بذنب غيره، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني، إنما الدية عندنا على القاتل، وأُمِرَ هؤلاء القوم بالدخول معه في تَحَمُّلِها على وجه المواساة له، من غير أنْ يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقاً للفقراء من غير إلزامهم ذنباً لم يُذنبوه، بل على وجه المواساة، وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك، وأمر ببرِّ الوالدين، وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وإصلاح ذات البين، فكذلك أُمِرَتْ العاقلة بتحمّل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه". اهـ.

[المبحث الخامس: الترجيح]

الذي يَظْهُرُ صَوَابُه ـ والله تعالى أعلم ـ أَنَّ تغريم العاقلة هو من باب المواساة للجاني والتخفيف عنه، وليس في تغريمهم ما يُعارض الآية؛ لأنَّ الآية إنما نَفَتْ أنْ يُؤخذ الإنسان بذنب غيره، والجاني لم يرتكب ذنباً حتى تتحمله العاقلة، وإنما وقع منه خطأ أوجب دفع الدية لأهل المقتول، حفظاً للدماء وصيانة لها من الهدر، ولما كانت الدية تُجحف في مال الجاني أوجب الله تعالى على العاقلة تحملها من باب المواساة والتخفيف عنه، والله تعالى أعلم.

****


(١) أخرجه النسائي في سننه، في كتاب القسامة، حديث (٤٨٣٢)، وأبو داود في سننه، في كتاب الديات، حديث (٤٤٩٥)، وابن ماجة في سننه، في كتاب الديات، حديث (٢٦٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٢٨١)، حديث (١٣١٧).
(٢) أحكام القرآن، للجصاص (٢/ ٢٨١).

<<  <   >  >>