للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كان ذلك سبباً للإنكار، لكان في محل حصل فيه بالضمير نوع اشتباه، وأما في محل لا اشتباه فيه فليس كذلك، وإلا لكان ذِكْرُ الضمير في الخطبة مُنكراً منهياً عنه، مع أَنَّه ليس كذلك، بل الإظهار في بعض المواضع في الخطب يكون مُنكراً فتأمل". اهـ (١)

المذهب الثالث: أَنَّ ما جاء في الآية - من جمع اللهِ تعالى الملائكةَ مع نفسه في ضمير واحد - جائزٌ للبشر فعله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأَنَّ الخطيب وقف على: "ومن يعصهما"، فجمع بين حالي من أطاع الله ورسوله ومن عصى، والأولى أنْ يقف على: "رشد ثم يقول: "ومن يعصهما فقد غوى". (٢)

وهذا مذهب أبي جعفر الطحاوي، وابن الجزري، وابن عطية. (٣)

قال الطحاوي: "المعنى عندنا - والله أعلم - أَنَّ ذلك يرجع إلى معنى التقديم والتأخير، فيكون: من يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقد رشد، وذلك كفر، وإنما كان ينبغي له أنْ يقول: ومن يعصهما فقد غوى، أو يقف عند قوله: فقد رشد، ثم يبتدئ بقوله: ومن يعصهما فقد غوى، وإلا عاد وجهه إلى التقديم والتأخير الذي ذكرنا". اهـ (٤)

وقد اعترض أبو العباس القرطبي على هذا المذهب فقال: "وهذا التأويل لم تساعده الرواية، فإنَّ الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأَنَّ آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رد عليه وعلمه صواب ما أخل به، فقال: "قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، فظهر أَنَّ ذَمَّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير". اهـ (٥)


(١) نقله عن السندي الألباني في كتابه "خطبة الحاجة"، ص (١٨).
(٢) انظر: التمهيد في علم التجويد، لابن الجزري (١/ ١٧٧)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٩٨).
(٣) انظر على الترتيب: مشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٣٧١)، والتمهيد في علم التجويد، لابن الجزري (١/ ١٧٧)، والمحرر الوجيز، لابن عطية (٤/ ٣٩٨) و (٣/ ٥٣).
(٤) مشكل الآثار، للطحاوي (٤/ ٣٧٢).
(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي (٢/ ٥١٠). وانظر: طرح التثريب، للعراقي (٢/ ٢٣).

<<  <   >  >>