للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

حديث عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، وكما تقدم فإنَّ هذا الحديث لا يُعارِضُ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بل هو موافق ومفسِّرٌ له؛ لأنَّ معنى حديث أبي هريرة: أنَّ للمجاهد الأجرَ تامّاً إنْ لم يغنم، أو الأجرَ والغنيمةَ معاً إنْ غَنِم، فالأجر حاصلٌ على كلِّ حال، غَنِمَ أو لم يَغنَم، لكنَّه مع الغنيمة أنقص، وهو مُقَدَّرٌ في الشِقِّ الثاني مع الغنيمة، وإنْ لم يُصَرِّح بذكره، وكما ترى فإنَّ هذا المعنى لا يُعارِضُ حديث عبد الله بن عمرو، ولا يُعارِضُ الآية أيضاً.

وأمَّا ما ذَكَرَهُ أصحاب المذهب الثاني من أجوبةٍ عن حديث عبد الله بن عمرو؛ فكلها لا تخلوا من ضعف، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.

وأمَّا قولهم: إنّه لا يُعْلَمُ غازياً أعظمَ من أهل بدر، وقد أصابوا من الغنيمة، ولو كان أخذها يُنقص من الأجر ما كانت فضيلة لهم؛ فجوابه: أنَّه ليس في غنيمة بدر نصٌ أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم مغفوراً لهم، مرضياً عنهم، ومن أهل الجنة؛ لا يلزم أنْ لا يكون وراء هذا مرتبة أخرى هي أفضل منه، مع أنَّه شديد الفضل عظيم القدر. (١)

وأمَّا قولهم: إنَّ «أو» - في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» - هي بمعنى «الواو»؛ فيَرِدُ عليه إشكال؛ لأنَّه يقتضي من حيث المعنى أنْ يكون الضمانُ وقع بمجموع الأمرين لكلِّ من رجع، وقد لا يتفق ذلك؛ فإنَّ كثيراً من الغُزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرَّ منه الذي ادَّعى أنَّ «أو» بمعنى «الواو» وقع في نظيره؛ لأنَّ رواية «أو» ظاهرها يُوهِمُ أنَّ من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، على حين يلزم من القول بأنَّها بمعنى «الواو» أنَّ كلَّ غازٍ يُجْمَعُ له بين الأجر والغنيمة معاً، وهذا المعنى لا يَصِحُّ كما تقدَّم، مع ما فيه من المُخالفة لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والذي فيه أنَّ الذي يَغْنَمُ يرجع بأجر لكنَّه أنقص من أجر من لم يغنم. (٢)


(١) انظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (١٣/ ٧٨)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي
(٣/ ٧٤٩)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٣)، وفتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١)، وعمدة القاري، للعيني (١/ ٢٣٢).
(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٦/ ١١٥)، وإحكام الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/ ٣٠٥)، ومرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٧/ ٣٢٥).

<<  <   >  >>