للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والجواب: أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال، وأيضًا فإن قليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهابًا إلى الحقيقة» (١).

أيضًا قال تفسير قول الله عز وجل: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} (٢): «قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة كما قال عليه السلام حاكيا عنه: «سبقت رحمتي غضبي» (٣). فنقول ذلك لوجهين: (أحدهما): أن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم الإيعاد وعقبه بالرحمة، وكما ذكر، بعد إثبات الأصل الأول وهو التوحيد - التهديد بقوله: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} (٤) كذلك ذكر بعد إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب، وذكر الرحمة وقع تبعًا لئلا يكون العذاب مذكورًا وحده وهذا يحقق قوله (سبقت رحمتي غضبي) وذلك؛ لأن الله حيث كان المقصود ذكر العذاب لم يمحضه في الذكر بل ذكر الرحمة معه (٥).

ثالثًا: ومن أهم ما يميز توجيه الإمام الرازي للمتشابه اللفظي في القرآن الكريم أنه يكثر من توجيه المكرر، سواء كان التكرار في الآية كلها فيبين سبب تكرار الآية، أو كان التكرار بين بعض الألفاظ في الآيتين، فيبين سبب تكرار تلك الألفاظ، وينفي مزاعم حدوث التكرار في كتاب الله، ويثبت بلاغة تكرار بعض الألفاظ والآيات.


(١) التفسير الكبير (٢/ ١٦١)، نوع المتشابه: متشابه بإبدال جملة بجملة.
(٢) سورة العنكبوت، الآية: (٢١)، نوع المتشابه: متشابه بالتقديم والتأخير.
(٣) متفق عليه: رواه البخاري في «صحيحه»، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين}، (٩/ ١٦٠)، حديث رقم: (٧٥٥٣). ومسلم في «صحيحه»، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٨)، حديث رقم: (٢٧٥١)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-
(٤) سورة العنكبوت، الآية: (١٨).
(٥) التفسير الكبير، (٢٥/ ٥٠).

<<  <   >  >>