للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

حتى إن خبابًا ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو له شدة ما يلقونه من المشركين، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فقال له هو وجماعة من الصحابة: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثم يؤتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ الله تعالى هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا الله وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (١).

وقد جَاءَ خَبَّابٌ يومًا إلى عُمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - فَقَالَ له: ادْنُ، فَمَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا عَمَّارٌ، فَجَعَلَ خَبَّابٌ يُرِيهِ آثَارًا بِظَهْرِهِ مِمَّا عَذَّبَهُ الْمُشْرِكُونَ (٢).

ولم يتوقف إيذاء المشركين للمسلمين على الإيذاء الجسدي فقط، بل إنَّ المشركين استحلوا أموالهم فأكلوها بالباطل.

قال خباب: كنت رجلاً قينًا (٣).

وَكَانَ عَلَى الْعَاصِ بن وَائِلٍ دين، فَأَتَيْتُهُ، أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا والله, لا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ, لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تموت ثُمَّ تبعث، قَالَ: فإني إذا مت ثُمَّ أُبْعَثَ، جئتني ولي ثم مَال وَوَلَد فاعطيك، فأنزل الله {أَفَرَأَيْتَ


(١) صحيح: أخرجه البخاري (٣٨٥٢)، كتاب: "مناقب الأنصار"، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة.
(٢) صحيح: أخرجه ابن ماجه (١٥٣) باب: "فضائل أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -" وابن سعد ٣/ ١٦٥، وصححه الألباني في "صحيح السيرة" (١٥٧).
(٣) بفتح القاف وسكون الياء وأصل القين الحداد ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا، وقال الزجاج: القين الذي يصلح الأسنة. "فتح الباري".

<<  <   >  >>