للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أو الفتيا أو التدريس أو الولاية والمعرفة أو الأمارة والحكومة معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفي على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر، ولنضرب لك مثلا من ذلك، وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الديار والبقاع، وصارت أمرا مأنوسا لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع، في مكة أم القرى يقبضونها من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويرتكبون في البلد الحرام كل فعل حرام (١) وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون عن الأنكار معرضون عن بيان أنها ظلم وعدوان، أفيكون السكوت من العلماء بل من العالم دليلا على جوازها وأخذها، هذا لا يقوله من له أدنى إدراك، بل أضرب لك مثلا آخر، هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا باتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد (٢) واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله عز وجل من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين، بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأقطار إليها، وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها، هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف، وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من عباد القبور (فإن قلت) يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة (قلت) الإجماع حقيقة اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة، وإن كان هذا قولا باطلا، وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة فلا يرد السؤال، فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب


(١) كان ذلك في الزمن السابق أما الآن فقد استنارت الأفكار وانتشر الفقه بين أهل الحرمين الشريفين وفي الأرض المقدسة واختفى كثير من المبتدعات وعم الأمن تلك البلاد وسهل الحج واستراح العباد.
(٢) لعل المصنف يعني جعل أربعة أئمة للصلاة، كل إمام على مذهب من المذاهب الأربعة يصلي بإتباع ذلك المذهب، وقد زال الآن واجتمع الناس على إمام واحد يصلي بهم جميعا، وذلك بهمة حكومة الحجاز وعلى رأسها جلالة الملك الهمام عبد العزيز بن سعود، وإنا لنسأل الله أن يوفق أمراء الإسلام وملوكه في كل مكان إلى نصر السنة وقمع البدعة، آمين.

<<  <  ج: ص:  >  >>