للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الشبهة الثانية عشرة]

اتهام المحدثين بمخالفة القرآن

في قولهم برجم الزناة المحصنين

يقول المشكك:

«ويقول تعالى: يأمر الله بجلد الزانية والزاني.

فيقول أهل الحديث: بل يرجم الزناة المحصنين (١)، وإنه حد من حدود الله عندهم، وإنه حد تم نسخ تلاوته وبقي حكمه».

والجواب:

أولًا: هكذا في المنشور: «ويقول الله تعالى: يأمر الله بجلد»، الخ. وهذا منه جهل فاضح، أن يقول: قال الله تعالى، ثم لا يورد الآية، وإنما يورد كلامه هو. وهذا يدخل عندي في عدم تعظيم كلام الله وعدم إجلاله.

والآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)} [النور:٢].

وقد نسخت هذه الآية حكم الحبس للزانية في آية النساء بلا خلاف. وسبق بيان ذلك.

ثانيًا: لم يقل أهل الحديث برجم الزناة المحصنين من عند أنفسهم، بل الذي قال ذلك وشرعه هو الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليه المسلمون، إلا من شذ من الخوارج وبعض المعتزلة. ولا يعتد بخلافهم، كما سيأتي بيانه.

وقد اتضح لي الآن بما لا شك فيه: أن هذا المشكك خارجي المذهب، معتزلي الفكر؛ لأن كل شبهاته التي يوردها هي شبهات هؤلاء القوم، وغيرهم من العلمانيين والمستشرقين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في العلم (٢).


(١) بل أجمع المسلمون على ذلك -كما سيأتي أثناء الرد على هذه الشبهة-، وليس قول أهل الحديث وحدهم، كما يدعي.
(٢) وما أحسن ما قاله الإمام الشوكاني في هذا: «وهب أنه لم يثبت الرجم في الكتاب فكان ماذا؟ فقد ثبت بالسنة المتواترة التي لا يشك فيها من له أدنى اطلاع، وفعله رسول الله صلى الله غير مرة وفعله الخلفاء الراشدون. فيا لله العجب من الانتصار للمبتدعين على كتاب الله سبحانه وعلى سنة رسوله وعلى جميع الأمة المحمدية، ودفع الأدلة الثابتة بالضرورة الشرعية لقول قاله مخذول من مخذولي كلاب النار الذين يمرقون من الدين ولا يجاوز إيمانهم ولا عبادتهم تراقيهم! والأمر لله العلي الكبير». السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص:٨٤٧).

<<  <   >  >>