للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الحديث عن المديح النبوي في قصائد المديح:]

من الملاحظ في قصائد المديح النبوي، حديث الشعراء عن مديحهم للنبي الكريم، ووصفهم لهذا المديح، وذكر غايتهم منه، وغير ذلك مما يتعلق بالمديح النبوي شكلا ومضمونا، وخاصة اعترافهم جميعا بتقصيرهم في مدح سيد الخلق، وعجزهم عن الإحاطة بصفاته وخصائصه وفضائله، وهذا ما جعل كثيرا من الشعراء يتهيّبون مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لإدراكهم أنهم عاجزون عن إيفائه حقه، أو هذا ما ذهب إليه بعض المتتبعين للمديح النبوي، فقال أحدهم: «لمّا كانت محاسن رسول الله لا تحصى، وشمائله لا تستقصى، أمسك بعض الشعراء المحبين عن المدح فيه، لعلمهم العجز والقصور عن إدراك معانيه، وأن ذلك ليس في قوة البشر، بل في قدرة خالق الورى والقدر، وبعضهم تصدّى لذلك بقدر طاقته، وصرف نحو ذلك همّته وعنايته.. حتى شحّت بذلك الدفاتر، ونفذت دون نفاذه المحابر» «١» .

لكن النبهاني الذي صنع ديوانا كبيرا للمدائح النبوية، وكانت له مشاركة كبيرة في هذا الفن الجميل الجليل، لم يأخذ بهذا الرأي، ولم يعذر الشعراء لتركهم مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحجة العجز عن إيفائه حقه، فقال: «لكن ذلك لا يمنع الشعراء من مدحه، للتقرب إلى رضاه ورضا مولاه بقدر استطاعتهم، فإن الله تعالى شرع لنا على لسان نبيه صلّى الله عليه وسلّم أن نحمده تعالى ونشكره ونثني عليه مع عجزنا كمال العجز عما يجب له ويليق به سبحانه وتعالى» «٢» .

وقد أخذ بعض الكتاب يرددون مسألة العجز عن مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويضيفون إليها وينقصون، فالأبشيهي يتساءل قائلا: «وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه الله تعالى، وأثنى عليه ... والله لو أن البحار مداد، والأشجار أقلام، وجميع


(١) شرح الأزهري: ص ٢.
(٢) المجموعة النبهانية: ١/ ١٧.

<<  <   >  >>