للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (١)، فكيف يُخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنى أراه؟ وهذا أبلغ من قوله: لم أره؛ لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط، وهذا يَتضمن النفي وطرفاً من الإنكار على السائل، كما إذا قال لرجل: هل كان كيت وكيت؟ فيقول: كيف يكون ذلك؟

العاشر: أنَّه لم يَتَقدَّم للرب جل جلاله ذِكرٌ يعود الضمير عليه في قوله: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨))، والذي يعود الضمير عليه لا يَصْلُحُ له، وإنما هو لعبده.

الحادي عشر: أنَّه كيف يعود الضمير إلى ما لم يُذكر، ويُترك عُودُه إلى المذكور مع كونه أولى به.

الثاني عشر: أنَّه قد تقدم ذِكُرُ «صاحبكم»، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، ثم ذكر بعده شديد القوى، ذا المرة، وأعاد عليه الضمائر التي تليق به، والخبر كله عن هذين المُفَسَّرين، وهما الرسول الملكي، والرسول البشري.

الثالث عشر: أنَّه سبحانه أخبر أنَّ هذا الذي دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل هو تحتها قد دنا من رسول رب العالمين، ودنو الرب تعالى وتدليه على ما في حديث شريك كان من فوق العرش، لا إلى الأرض.

الرابع عشر: أنهم لم يُمارُوه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه، ولا أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها، وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه الله إياها، ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات.

الخامس عشر: أنَّه سبحانه قرَّر صحة ما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)) [النجم: ١٨]، فلو كان المرئي هو الرب سبحانه وتعالى، والمماراة على ذلك منهم، لكان تقرير تلك الرؤية أولى، والمقام إليها أحوج». (٢)


(١) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، حديث (١٧٨).
(٢) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢).

<<  <   >  >>