فالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أفعال حسنة في ذاتها، لم تكتسب الحسن من أمر الشرع بها، والفحشاء والمنكر والبغي أفعال قبيحة قبل نهي الشرع عنها، ولو لم تكن كذلك للزم أن يكون المعنى: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه، وهو باطل كما تقدم.
إذ لو كان حسن القسط، وقبح الفاحشة مستفادًا من الأمر والنهي فحسب لكان المعنى: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وإنما يأمر بما أمر به، وهذا لغو ينزه الرب ﷿ عنه.
الخامس: إخباره سبحانه بأنه لا يسوي بين البصر والعمى، والحياة والموت، والظلمات والنور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
فلو لم يكن في البصر صفة تقتضي حسنه ولا في العمى صفة تقتضي
(١) انظر: منهاج السنة (٣/ ١٧٩)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ١٧٨)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٣٢٧).