للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الْحَدِيْث رِوَايَة ودراية من أشرف العلوم وأجلها، بَلْ هُوَ أجلها عَلَى الإطلاق بَعْدَ العلم بالقرآن الكريم الَّذِيْ هُوَ أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هُوَ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بعضه يستقل بالتشريع، وكثيرٌ مِنْهُ شارح لكتاب الله تَعَالَى مبينٌ لما جاء فِيْهِ. قَالَ تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (١) من هَذَا أدرك المسلمون أهمية الْحَدِيْث النبوي الشريف فعانوا ما عانوا من أجل حفظ الْحَدِيْث النبوي الشريف، فتخلوا عَنْ كُلّ شيء أمام هَذَا الهدف العزيز الغالي، وَهُوَ حَدِيْث النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (٢). وللحرص الشديد عَلَى حفظ السنة، اهتمَّ المسلمون بمذاكرة الْحَدِيْث ومدارسته من أجل حفظه وضبطه وإتقانه، فكان الْمُحَدِّثُوْنَ يكتبون بالنهار ويعارضون (٣) بالليل ويحفظون بالنهار ويتذاكرون بالليل. وهكذا شأن الْمُحَدِّثِيْنَ، ومن لَمْ يَكُنْ كذلك فلا يسمى من أهل الْحَدِيْث، وأسند الإمام مُسْلِم في مقدمة صحيحه (٤) عَنْ أبي الزناد (٥) قَالَ: ((أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمونون ما يؤخذ عَنْهُمْ الْحَدِيْث يقال: ليس من أهله)) (٦).

وَقَالَ مالك بن أنس (٧): ((أدركت مشايخ بالمدينة أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عَنْهُمْ، ويقدم ابن شهاب وَهُوَ دونهم في السن فتزدحم الناس عَلَيْهِ)) (٨).


(١) النحل: ٤٤.
(٢) الأحزاب: ٦.
(٣) المعارضة: هِيَ مقابلة الطالب كتابه بكتاب شيخه الَّذِيْ يروي عَنْهُ، سماعاً أَوْ إجازةً، أو بأصل شيخه المقابل بِهِ أصل شيخه. وَقَدْ سأل عروة ابنه هشاماً فَقَالَ: عرضت كتابك؟ قَالَ: لا. قَالَ: لَمْ تكتب. انظر: الكفاية (٣٥٠ ت، ٢٣٧ هـ‍)، وجامع بَيَان العِلْم ١/ ٧٧، والإلماع: ١٦٠،ومعرفة أنواع علم الْحَدِيْث ١٢٢ طبعة نور الدين و٢٥٤ طبعتنا، وشرح التبصرة ٢/ ١٣٣ طبعة دار الكتب العلمية، وطبعتنا ١/ ٤٧٨، وفتح المغيث ٢/ ١٦٤.
(٤) الصَّحِيْح ١/ ١١ طبعة إستانبول، و١/ ١٥ طبعة مُحَمَّد فؤاد.
(٥) هُوَ عَبْد الله بن ذكوان القرشي، أبو عَبْد الرحمان المدني، المعروف بأبي الزناد: ثقة فقيه، توفي سنة (١٣٠ هـ‍) وَقِيْلَ: (١٣١ هـ‍).
انظر: الثقات ٧/ ٦، وتهذيب الكمال ٤/ ١٢٥ (٣٢٤١)، والتقريب (٣٣٠٢).
(٦) وكذلك أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٤٠٧ (٤٢٥)، والخطيب في الكفاية (١٥٩ هـ‍، ٢٤٧ ت) جميعهم من طريق الأصمعي، عَنْ ابن أبي الزناد، عَنْ أبيه، بِهِ.
(٧) هُوَ مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، أبو عَبْد الله المدني، نجم السنن وإمام دار الهجرة صاحب الموطأ والمذهب المعروف، توفي سنة (١٧٩ هـ‍).
انظر: حلية الأولياء ٦/ ٣١٦، وتهذيب الكمال ٧/ ٦ (٦٣٢٠)، والتقريب (٦٤٢٥).
(٨) الكفاية (١٥٩ هـ‍، ٢٤٨ ت).

<<  <   >  >>