للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[معنى العزة وبيان المراد بها في وصف الله عز وجل]

ويقول الله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:٨]، والعزة هي القوة والغلبة، فالله عز وجل له العزة التامة سبحانه وتعالى، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم له عزة، وللمؤمنين عزة، إلا أن عزة الله تعالى تختلف عن عزة الرسول صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين، وذلك أن عزة الله عز وجل لا يخدشها أدنى ذلة، بينما قد تحصل للبشر ذلة حتى ولو كانوا أنبياء أو صالحين، ولهذا ذكر الله عز وجل عن المؤمنين يوم بدر أنهم كانوا أذلة، فكان عددهم قليلاً، وموقفهم ضعيفاً، وليس المقصود بالذلة هنا الذلة النفسية، وإنما الضعف وعدم القدرة على مقاومة العدو الذي هو أكبر، وإلا فإن العزة النفسية هي في نفوسهم حتى ولو غلبهم العدو، فهم أعزة وأقوياء بدين الله سبحانه وتعالى.

ويمكن أن نأخذ صفة العزة من اسم الله العزيز، وهو كثير في القرآن الكريم، يقول الله سبحانه وتعالى عن إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:٨٢]، ثم استثنى: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص:٨٣]، فإبليس يعرف أن لله عز وجل عزة لائقة به، ومع هذا لم تنفعه هذه المعرفة، وهذا يدل على معنى مهم جداً، وهو أنه ليس بمجرد انتساب الإنسان إلى الإسلام، أو معرفته ببعض أحكامه أنه يكون مسلماً، بل لا بد من الإتيان بها، وترك النواقض، فالإسلام مبني على وجود شرط وعلى انتفاء مانع.

أما الشرط الذي يجب أن يوجد فهو فعل أحكام الإسلام والالتزام بها عملياً، كالصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك من إقامة شعائر الله عز وجل، والتحاكم إلى شرع الله عز وجل، وكذلك موقوف على انتفاء مانع وهو ألا يوجد في الإنسان ناقض من نواقض الإسلام، فإذا وجد فيه ناقض من نواقض الإسلام فإنه يكون كافراً حتى ولو صلى وصام وقال: لا إله إلا الله، وهذا لا ينتبه له كثير من الناس؛ ولهذا قد يستغرب العوام عندما يكفر أهل العلم السحرة، ويقولون: هؤلاء يصلون معنا، وبعضهم يصفه في هيئته، وأنه ملتح ومقصر ثوبه، وأنه في الصف الأول، وهذا يدل على ضعف فهم حقائق الدين، فإن الإنسان إذا ضعف فقهه في دين الله عز وجل قد يستغرب مثل هذه الأشياء، لكنه إذا فهم دين الله عز وجل لا يستغرب.

فلا يكفي أن يكون الإنسان مسلماً لكونه يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يكون مع هذا تاركاً لنواقض الإسلام؛ لأنه لو فعل ناقضاً من النواقض فإنه يكفر، وللجهل بهذه الحقيقة الشرعية المهمة وجد في زماننا من يسمي نفسه بأنه علماني مسلم، أو ديمقراطي مسلم، أو شيوعي مسلم، أو حداثي مسلم، أو امبريالي مسلم.

فينتسب إلى مذهب من مذاهب الكفر ثم ينتسب في نفس الوقت إلى الإسلام، فلو قال رجل أنه يهودي مسلم، أو نصراني مسلم، لا يقبل كلامه؛ لأنه يجمع بين النقائض، وهكذا إذا قال أنه علماني مسلم، أو يحكم بغير ما أنزل الله وهو مسلم، أو نحو ذلك، فهذه كلها من النقائض التي لا تجتمع؛ ولهذا ينبغي أن تعرف هذه القاعدة من قواعد الإسلام.

<<  <  ج: ص:  >  >>