للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

"والفرق بينه وبين السُّمعة: أن الرياء لما يُرى من العمل، كالصلاة، والسُّمعة لما يسمع؛ كالقراءة والوعظ والذكر. ويدخل في ذلك التحدُّثُ بما عمله" (١).

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} الكهف: ١١٠، أي ليس لي من الربوبية ولا الإلهية شيء، بل ذلك كله وحده لا شريك له، أوحاه إليّ {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} أي يخافه: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} قوله {أَحَدًا} نكرة في سياق النهي تعُمّ، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم (٢).

قال ابن القيم - رحمه الله - في الآية: " أي كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرِّد بالإلهية يجب أن تفرَّد بالعبودية، فالعمل الصالح: هو الخالص من الرياء المُقيَّدُ بالسنَّة" (٣).

قال ابن رجب - رحمه الله -: " واعلم أنَّ العمل لغير الله أقسام: فتارةً يكون رياءً محضاً كحال المنافقين، كما قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)} النساء: ١٤٢. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام. وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدَّى نفعُها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقتَ من الله والعقوبة.

وتارةً يكون العملُ لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدلُّ على بطلانه منها حديث شدَّاد بن أوس - رضي الله عنه - مرفوعاً: (من صلَّى يُرائي فقد أشرك، ومن صام يُرائي فقد أشرك، ومن تصدَّق يُرائي فقد أشرك، وإن الله عز وجل


(١) شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للغنيمان (٤/ ٣٩٥).
(٢) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٤٥)، (٢/ ٩٣)، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد (١/ ١١٢).
(٣) الجواب الكافي (١/ ٩١).

<<  <   >  >>