للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إنّا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا «١»

ولننظر إلى مدى الشوق للمقدسات الذي يشعر به المغاربة، حين يدخل الشاعر ابن سهل إلى نفوس المؤمنين ويخرج بخفاياها، فظهر لهفتهم لرؤية المقدسات، ومدى تعلقهم بحب رسول الله، وهو إنما يتحدث عن نفسه وعمّا يجول فيها، ويعمّمه على صحبه من المؤمنين الذين شدوا الرحال إلى الديار المقدسة، فيقول:

وركب دعتهم نحو يثرب نيّة ... فما وجدت إلا مطيعا وسامعا

يسابق وخد العيس ما اسوّدّ منهم ... فيغنون بالشّوق المدى والمدامعا

تضيء من التّقوى خبايا صدورهم ... وقد لبسوا اللّيل البهيم مدارعا

تكاد مناجاة النّبيّ محمّد ... تنمّ بها مسكا على الشّمّ ذائعا «٢»

وهم دائمو الوصف للركب، يشركون مشاعر الشوق بين الراحل والراحلة، ويضفون عليها أحاسيس إنسانية ليظهروا مدى حنينهم لرؤية المقدسات، فإذا تكرر تخلف أحدهم عن قافلة الحج، قال متحسرا مع الجياني بعد وصف الراحلين:

حملت أشباهها فهي بهم ... كقسيّ قد أقلّت أسهما

أوهن الوخد قواهنّ فإن ... لاح نجد خلت فيها لمما

مدّت الأعناق لمّا رمّلت ... بنقا الرّمل وأكناف الحمى

من عذيري من زمان قد مضى ... أقرع السّنّ عليه ندما

حسرتا إن لم أبلّغ أملي ... قبل أن يأتي الرّدى مخترما «٣»


(١) ابن خلكان: وفيات الأعيان ١/ ١٦٩.
(٢) ديوان ابن سهل ص ١٥٧.
(٣) ابن عبد الملك الأنصاري: الذيل والتكملة ٥/ ٢٩٤.

<<  <   >  >>