للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكفر وألف بين قلوبكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سامعين مطيعين، وقد أطفا الله عنهم كيد عدو الله.

فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا (١)} الآية وأنزل الله تعالى في أوس بن قيظي وجابر بن صخر ومن كان معهما من قومهما {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب (٢)} الآيات إلى قوله {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (٣)}. لئن كان موقد نار الفتنة في الحالة الأولى هم المشركون، فموقدها الآن اليهود، ولئن كانت من قبل على خطرها بين المسلمين والمشركين. فهي الآن أشد خطرا وأفدح خسارة هي بين المؤمنين أنفسهم ومن أجل ذلك فقد اختلفت المعالجة بين الحالتين:

الحالة الأولى: تذكير المشركين بالقرابة والنسب، والأبوة والنبوة. (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا).

الحالة الثانية: تذكير المسلمين برابطة العقيدة، لأنها أقوى محرك للمسلم وتخويفه من الجاهلية: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظكركم بعد أن هداكم الله للإسلام واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم) .. فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا فلا غرابة أن تكون هذه المعالجة ضمن هذا المفهوم، وتلك المعالجة ضمن ذلك المفهوم، والرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صاحب المعالجة في المرتين، فأعطى لكل حالة ما يناسبها دون أن يكون هناك تناقض بين الحالتين.


(١) آل عمران / ٩٨ - ٩٩.
(٢) آل عمران / ١٠٠ - ١٠١.
(٣) مختصر السيرة. لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>