الْفَائِدَة الأُولَى: أن القرآنَ كلامُ اللهِ؛ لقولِهِ:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا} وَجْهُ كونِهِ كلامَ اللهِ: أن هذا القرآنَ كلامٌ، وإذا كان كلامًا وقد أضافه اللهُ لنفْسِهِ عَلِمْنَا أنه كلامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وهل هو مخلوقٌ؟ لا؛ لِوَجْهَيْنِ:
الوجهُ الأولُ: أنه وصفُهُ وجميعُ أوصافِ اللهِ غيرُ مخلوقةٍ؛ لأنَّ الصفةَ تابعةٌ للذاتِ، فالخالقُ هو اللهُ وصفاتُهُ غير مخلوقةٍ.
الوجهُ الثانِي: لو قُلْنَا: إنه مخلوقٌ لَبَطَلَ الأمرُ والنهيُ؛ لأننا إذا قلنا: إنه مخلوقٌ، صار شيئًا مخلوقًا على شيءٍ معيَّنٍ، كما تُخْلَقُ الشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والأنهارُ على شكلٍ مُعَيَّنٍ.
فيكونُ مثلًا:{أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}[الأنعام: ٧٢] ليستْ أمرًا؛ لأنَّه خُلِقَ على هذا الرَّسْمِ، الآنَ مثلًا لو رُسِمَتْ في القرآنِ {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ولكن أنت تقولُ: إن هذه ليست كلامًا، ولكنها مخلوقةٌ لن تفيدَ الأمرَ، وكذلك يُقالُ في الأخبارِ، الأخبارُ تأتيك آيةً طويلةً كُلُّهَا في خبرِ ما، إذا قلَت: إن القرآنَ مخلوقٌ؛ صارت مُجَرَّدَ نقشٍ فقط ليس كلامًا؛ ولذلك قال ابنُ القَيِّمِ (١) رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ القولَ بأن القرآنَ مخلوقٌ مُبْطِلٌ للشريعةِ؛ لأنَّه لا يكونُ فيه أمرٌ ولا نهيٌ، إنما فيه أشكالٌ خُلِقَتْ على هذا.
فقوله تعالى:{أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أنتم الآن إذا شاهدْتُم {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} تَجِدُون أنها شيءٌ يختلفُ بعضُهُ عن بعضٍ {أَقِيمُوا} لها شكلٌ و {الصَّلَاةَ} لها شكلٌ، فإذا قُلْنَا: إن هذه أشياءُ خَلَقَهَا اللهُ على هذا الشكلِ لم يكنْ أمرًا ولا نَهْيًا.