للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجَعَلَ له مقابل الهوى الحاملِ له (١) على طاعة الشيطان والنفس الأمَّارةِ نورًا، وبصيرةً، وعقلًا يرده عن الذهاب مع الهوى؛ فكلما أراد أن يذهب مع الهوى ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذر الحذر!؛ فإن المهالك والمتالف بين يديك، وأنت صيد الحرامِيَّة (٢)، وقُطّاعِ الطريق؛ إنْ سِرْت خلف هذا الدليل.

فهو يطيع الناصح مرة فيبين له رشده ونصحه، ويمشي خلف دليل الهوى مرة فَيُقْطَعُ عليه الطريق، ويُؤخَذُ مالُه، وتُسْلَب ثيابُه، فيقول: تُرى من أين أُتِيت؟! والعجبُ أنه يعلم من أين أُتِي، ويعرف الطريق التي قُطِعت عليه وأُخِذ فيها، ويأبى إلا سلوكها؛ لأن دليلها قد تمكن منه وتحكَّم فيه، وقوِيَ عليه! ولو أضعفه بالمخالفة له، وزَجْرِه إذا دعاه، وبمحاربته إذا أراد أخذه لم يتمكَّنْ منه، ولكنْ هو مكَّنَهُ من نفسه، وهو أعطاه يده، فهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه، فيأسره ثم يسومه سوء العذاب، فهو يستغيث فلا يُغاث، فهكذا العبد يستأسر للشيطان والهوى، ولنفسه الأمارة، ثم يطلب الخلاص، فيعجز عنه.

فلما أن بُلِي العبدُ بما بُلِي به أُعِين بالعساكر والعُدَدِ والحُصون،


(١) "له" من (م) و (ق).
(٢) جمع "حراميّ" بمعنى فاعل الحرام، وغلب استعماله على اللصّ في اصطلاح العامّة، وهي كلمة مولَّدة مستعملة في هذا المعنى من قديم.
انظر: "محيط المحِيط" للبستاني (١/ ٣٨٢)، و"كناشة النوادر" لعبد السلام هارون (١٦٨)، و"المجموع اللفيف" للسامرائي (٢٩)، و"معجم فصيح العامة" لأحمد أبو سعد (١٣٢)، و"معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة" للعدناني (١٥٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>