للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طاعات كثيرةٍ؛ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

ويفعل الحسنة فلا يزال يَمُنُّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويَرى نفسه، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ، وفعلتُ؛ فيورثه ذلك (١) من العجب والكِبْر، والفخر والاستطالة، ما يكون سبب هلاكه. فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمرٍ يَكْسِرُه به، ويُذِلُّ به عُنُقَه، ويُصَغِّرُ به نَفْسَه عنده. وإن أراد به غير ذلك، خَلَّاهُ وعُجْبَه وكِبْره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه؛ فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق: أن لا يكِلَك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان: أن يَكِلَكَ الله تعالى إلى نفسك (٢).

فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى، والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه، وجهلها، وظلمها، وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه، وإحسانه، ورحمته (٣)، وجوده، وبِرّه، وغِناه، وحمده.

فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما، فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.

قال شيخ الإسلام (٤): "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة،


(١) "ذلك" من (م).
(٢) من قوله: "والخذلان" إلى هنا، ساقط من (ت).
(٣) "ورحمته" من (ح).
(٤) كذا في (ت) و (ح) و (ق) وهو الصواب، والمراد به: أبو إسماعيل الهروي =

<<  <  ج: ص:  >  >>