للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حجية الإجماع والرد على من استشكل ذلك]

استشكل كثير من النظار مسألة الإجماع باعتبار ما كتبه الأصوليون في تصوير الإجماع، فإن حد الإجماع في كتب الأصوليين يعطيه نوعاً من الامتناع من حيث التطبيق؛ حيث يقولون: إنه اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور على مسألة شرعية، ثم يعلقون على مسألة الاتفاق: كيف يضبط اتفاقهم وقد اختلفت أمصارهم؟ ومن الذي ضبط ولعل البعض سكت؟ وربما يحتجون بكلمةٍ قالها بعض الأئمة كالإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريك؟! لعلهم اختلفوا! ولكن قل: لا أعلم فيه خلافاً.

وهذه الكلمة ليست من أصول كلام الإمام أحمد (أي: من مقاصد كلامه) وإنما هي كلمة قالها لما رأى توسع الناس في بعض مسائل التشريع وبعض مسائل الخلاف الفقهي، وبدؤوا يكثرون من ذكر الإجماع فيها، فقال هذا القول من باب الورع، ولهذا تجد أن الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني تمثل كلمة الإمام أحمد كثيراً، وإذا قارنت بين كتاب المغني وبين كتاب المجموع في الفقه المقارن، وجدت أن النووي يغلب عليه أنه ينص على الإجماع، حتى في مسائل لم تنضبط أنها إجماع قطعي، أي: الإجماع الضروري المنضبط عند السلف، بخلاف الموفق؛ فإنه غلب على كلامه أنه يقول: لا أعلم فيه خلافاً، وهذا من باب التقيد بنوع من الهدي المأثور عن الأئمة.

ولا شك أن الإمام أحمد لم يرد بهذه الكلمة أنه لا إجماع في مسائل أصول الدين، ولا إجماع في مسائل الدين عموماً، أو لا ينضبط الإجماع؛ فإن الإمام أحمد نفسه حكى الإجماع في مسائل ليست من مسائل الأصول، بل في مسائل قد يقبل فيها منازعة غيره له، فإن الإمام أحمد مثلاً قال في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:٢٠٤] قال: أجمعوا على أنها نزلت في الصلاة، مع أن هذا الإجماع يمكن منازعته، فالإمام أحمد في الجملة حكى إجماعات يمكن منازعتها، فضلاً عن كونه صدق إجماعات السلف في مسائل القدر والصفات والشفاعة وغيرها.

فالمقصود أن قوله: (من ادعى الإجماع فقد كذب) كلمة أراد بها وجهاً من أوجه اختلاف الناس الذي قد يحكى فيه إجماع.

والمقصود أن ما يذكره كثير من الأصوليين في كتبهم في حد الإجماع، قد يجعله ممتنعاً.

والمعتبر عند السلف في معنى الإجماع: أن ما كان من المعاني صريحاً في الكتاب والسنة من جهة تواتر معناه وصراحته من حيث المدلول (دلالة اللغة)، ثم استقر الأمر عليه: إما عملاً إن كانت المسألة عملية، وإما تصديقاً وإيماناً إن كانت المسألة تصديقية، فهو يعد من الإجماع القطعي، وإن لم ينقل بالأسانيد أن فلاناً وفلاناً من المجتهدين نصوا على هذا العمل، أو نصوا على هذه المسألة، فإنك لو اشترطت هذا التنادي أو التصريح؛ بمعنى أن عندك الأسانيد التي نصت على أنهم قالوا هذا القول، لما بقي في الدين مسألة واحدة فيها إجماع، حتى الصلوات خمس، فليس عندنا أسانيد متصلة عن كل واحد من الصحابة، أنه قال: إن الصلوات خمس، ولا توجد مسألة في الإسلام، عندنا فيها إسناد إلى كل صحابي.

فهذا نوع من الافتراضات النظرية التي اعتبرها الأصوليين، ولا قيمة لها.

إذاً: كل المعاني التي انضبطت من صريح الكتاب والسنة متواترةً في حروفها وصريحةً في دلالتها على وفق كلام العرب، ثم استقر عليها العمل أو العلم، فهي مسائل الإجماع.

هذا هو الإجماع في مسائل السلف، وأما أن يفهم من الإجماع أنه تنادي أصحاب الاجتهاد بأسانيد تنضبط إليهم، وإذا انقطعت الأسانيد أو لم نجد الأسانيد شككنا في الإجماع، فهذا ليس بصحيح، هذه جهة.

وقد يقول قائل: إن أكثر ما يقال أنه إجماع لم ينطق الصحابة بمسألته أصلاً، فإنه لو قيل: إن الصحابة أجمعوا أن الصلوات خمس، وأجمعوا على كذا وأجمعوا على كذا.

لكان صحيحاً، لكن ما وجه أن يقال: إن الصحابة أجمعوا على أن القرآن ليس مخلوقاً، مع أن مسألة خلق القرآن حدثت بعد عصر الصحابة؟!

هذا إشكال يورده كثيرون ممن يترددون في مسألة إجماع السلف أو إجماع الصحابة على ذلك.

يرد البعض فيقول: إن الإجماع الذي نحكيه هنا هو إجماع السلف بعد الصحابة، أي: إجماع التابعين أو إجماع تابعي التابعين، وأن إجماع هؤلاء حجة؛ لأنه إجماع علماء الأمة المعتبرين في زمنهم.

فيرد عليه إشكال وهو أن في ذلك القرن كان هناك من خالف ذلك من الفرق، ويجاب: أن مخالفة هؤلاء غير معتبرة.

والمقصود: أن هذه الطريقة في تحصيل الإجماع طريقة ضعيفة.

والصواب: أن القول بأن القرآن ليس مخلوقاً -مثلاً- هو من إجماعات الصحابة، ووجه كونه إجماعاً للصحابة أن الإجماع عند الصحابة رضي الله عنهم على إثبات الصفات بين، فإذا كان كذلك، فكل قول ناقض هذا المعنى البين أو نافاه، فإنه يكون معلوم البطلان بالضرورة.

إذاً لو قلنا: إن ظاهر النصوص وصريحها إثبات علو الله سبحانه وتعالى، وأن الله في السماء، وأن الصحابة درجوا على ذلك، وتلقوه عن القرآن وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن صريح حديثه ومفصل حديثه، فجاء من جاء وقال: إن الله ليس له مكان، أو أن الله في كل مكان أو لا داخل العالم ولا خارجه أو ما إلى ذلك، لأمكن أن يقال: إن هذه الحروف من حيث هي حروف -بغض النظر عن معانيها- هي حروف مخالفة لإجماع الصحابة، لأن أصحابها لما نطقوا بها قصدوا ألا يقال: إن الله في السماء، ومنعوا المذهب الذي سمعوه عن الأئمة أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه.

فلما كانت الجملة الأولى معلومة الانضباط بصريح النصوص، حيث ذكر الاستواء في سبع مواضع من القرآن وذكر علو الله في مواضع كثيرة من القرآن وفي كلام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلما انضبط هذا المعنى وصح لنا بالعقل والإدراك، أن نقول: إنه إجماع للصحابة، عُلم أن كل معنىً جاء لينافيه: إنه خلاف الإجماع؛ لأن الجمع بين المتنافيين أو بين المتناقضين أو بين المتضادين لا يكون.

نعم هذه الجملة ما نطق بها الصحابة، ولكن الصحابة اعتبروا ظاهر القرآن وصريحه: أن القرآن منزل وأنه كلام الله وأنه من علم الله، وهذا المعنى ينافي القول بخلقه، فعُلِم أن المنافي منفي بالإجماع.

هذه هي طريقة تحصيل الإجماع في مسائل العقائد التي نازع فيها المبتدعة.

وهو كذلك إجماع للأئمة، لكن لا نقول: إنه ليس إجماعاً للصحابة، لأننا إذا قلنا: إن هذه المسائل فيها إجماع للأئمة التابعين وتابعيهم، ولم نقل: إنها إجماع للصحابة؛ ورد هنا سؤال من العقل: لما لا نقول: إنها إجماع للصحابة؟ هل أجمع الصحابة على وفقها، أو على ضدها، أو سكتوا؟

إن كانوا أجمعوا على وفقها فلنقل: إنه إجماع للصحابة، وإن كانوا أجمعوا على ضدها، فهذا يلزم أن التابعين ناقضوا إجماع الصحابة، وإن كانوا سكتوا فما معنى السكوت؟ هل معناه أن الصحابة ليس لهم فيها قول؟ إذا لم يكن للصحابة فيها قول، علم أنها ليست من الدين.

وهذا الطريق في التشكيك بالإجماع هو الذي استعمله ابن أبي دؤاد في مناظرة خلق القرآن؛ فقد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقاً) أهذا من الدين؟ فإذا قيل له: أجمع عليه أصحابنا وأئمتنا أعني: شيوخ الإمام أحمد أو طبقته، فسوف يعترض على ذلك، وهذا اعتراض صحيح، وحتى لو قلت: إنه إجماع لطبقة الإمام أحمد، لقيل: أين الصحابة عن هذا الإجماع؟ فسكوتهم إن لم يدل على النفي، فهو يدل على أنهم لا يعتبرون المسألة من الأصول.

فـ ابن أبي دؤاد قال للإمام أحمد: (القرآن ليس مخلوقاً) أهو من الدين؟ قال: نعم، قال: عرفه النبي والخلفاء الأربعة، قال: نعم، قال: أين هو في كلامهم؟ قال الإمام أحمد: يسكتون فسكت؛ يعني أن الصحابة مجمعون على إثبات معنى، وهو أن القرآن كلام الله أنزله على عبده ورسوله.

فالمعنى الذي ذكر هنا أنه ليس مخلوقاً هو نفي لطارئ، وقد علم الإجماع على نفي الطارئ، وامتنع الجمع بين الطارئ -وهو أن القرآن مخلوق- وبين المعنى الذي هو صريح النصوص.

وعليه نقول: إن كل مسألة نطق بها السلف من بعد الصحابة -أعني طبقة التابعين وتابعيهم- فهو إجماع للصحابة رضي الله عنهم.

وفي الغالب أن ما يذكره الأصوليون يريدون به الإجماع في مسائل التشريع، ولهذا يقولون: الإجماع هو اتفاق مجتهدي علماء الأمة، فهم يحصرونه بطبقة الاجتهاد.

<<  <  ج: ص:  >  >>