للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المراسلات بين علي ومعاوية]

قال الطبريُّ -متحدِّثاً عن أحداث سنة سبع وثلاثين-: «فكان في أول شهر منها- وهو المحرم- موادعة الحرب بين علي ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعاً في الصلح» (١).

وقد جاءت عدة روايات تفيد أن ثمَّة مراسلات تمت بين الطرفين، ابتدأها علي - رضي الله عنه -، في محاولة لتجنُّب القتال، إلا أن هذه المحاولات باءتْ في النهاية بالفشل (٢)!

وهذه الروايات جميعها ليس فيها ما يصلح للاستشهاد به، ففضلا عن ضعف إسنادها (٣)؛ ففي متونها نكارة شديدة (٤).

يقول الحافظ ابن كثيرٍ: «ثُمَّ ذكر أهل السير كلاماً طويلاً جرى بينهم وبين علي، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر، فإن في مطاوي ذلك الكلام من كلام عليٍّ ما يَنتقص فيه معاوية وأباه، وإنهم إنما دخلوا في الإسلام كرها، ولم يزالا في تردد فيه، وغير ذلك، وأنه قال في غضون ذلك: لا أقول إن عثمان قُتِل مظلوما ولا ظالما! فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل: إن عثمان قُتل مظلوما. وخرجوا من عنده، فقال علي: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين* وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}. ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجدِّ في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم، وهذا عندي لا يصحُّ عن عليٍّ - رضي الله عنه -» (٥).

على كل حالٍ: فخلاصة الروايات -مع ضعف سندها، ونكارة متنها- أن الصلح لم يقع بين الطرفين، وآل الأمر في نهايته إلى القتال، وهذا لا خلافَ عليه.

قال الطبريُّ: «ثم لم تزل الرسل تتردد بين عليٍّ ومعاوية، والناس كافُّون عن القتال، حتى انسلخ المحرم من هذه السنة، ولم يقع بينهم صلح» (٦).


(١) تاريخ الطبري (٥/ ٥).
(٢) تاريخ الطبري (٤/ ٥٧٣ - ٥٧٥، ٥/ ٥ - ٩).
(٣) كل هذه الروايات جاءت من طريق أبي مخنف، وقد تقدَّم الكلام عنه.
(٤) انظر نقد هذه المرويات في: مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري (ص: ٢٩٧ - ٣١٠).
(٥) البداية والنهاية (١٠/ ٥٠٥).
(٦) البداية والنهاية (١٠/ ٥٠٩)، ولم أقف عليه في تاريخ الطبري!

<<  <   >  >>