للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَمَنِ اسْتَهْلَكَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَوْ كَانَا لِمُسْلِمٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ قِيمَتُهَا (سم) لِغَيْرِ اللَّهْوِ.

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

وَإِنَّمَا تَقَوَّمَتْ بِالْإِجَارَةِ ضَرُورَةَ وُرُودِ الْعِقْدِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُوجَدْ. وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَ بِاسْتِعْمَالِهِ؛ لِاسْتِهْلَاكِهِ بَعْضَ أَجْزَائِهِ.

قَالَ: (وَمَنِ اسْتَهْلَكَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَوْ كَانَا لِمُسْلِمٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «اتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» ، وَإِنَّهُمْ يَدِينُونَ بِمَالِيَّتِهِمَا؛ فَإِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ عِنْدَهُمْ كَالْخَلِّ وَالشَّاةِ، بَلْ هُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا قَبِلُوهَا ": يَعْنِي الْجِزْيَةَ " فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» ، وَلِلْمُسْلِمِينَ التَّضْمِينُ بِإِتْلَافِ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مَالًا، فَكَذَا يَكُونُ الذِّمِّيُّ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَالًا فِي حَقِّهِ أَصْلًا، وَحُرْمَةُ بَدَلِهِمَا عَلَيْهِ كَحُرْمَتِهِمَا. وَالْخَمْرُ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَالْمُسْلِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمَلُّكِهِ، فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ، أَمَّا الرِّبَا فَحَرَامٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى عَنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ.

قَالَ: (وَيَجِبُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ قِيمَتُهَا لِغَيْرِ اللَّهْوِ) ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ كَالْبَرْبَطِ وَالطَّبْلِ وَالدُّفِّ وَالْمِزْمَارِ وَالْجُنْكِ وَالْعُودِ وَنَحْوِهَا. وَيَجُوزُ بَيْعُهَا. وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ; لِأَنَّهَا أَعُدِّتْ لِلْمَعَاصِي فَلَا تُضْمَنُ كَالْخَمْرِ. وَمُتْلِفُهَا يَتَأَوَّلُ فِيهَا النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا - فَلَا يَضْمَنُ كَإِذْنِ الْقَاضِي، وَبَلْ أَوْلَى.

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَمْوَالٌ صَالِحَةٌ؛ لِلِانْتِفَاعِ فِي جِهَةٍ مُبَاحَةٍ، وَتَصْلُحُ لِمَا يَحِلُّ - فَيَضْمَنُ، وَالْفَسَادُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، فَلَا يَسْقُطُ التَّقَوُّمُ وَجَوَازُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُمَا بِنَاءً عَلَى الْمَالِيَّةِ، وَصَارَ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ.

وَتَجِبُ قِيمَتُهَا لِغَيْرِ اللَّهْوِ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ، وَالْكَبْشِ النَّطُوحِ، وَالْحَمَامَةِ الطَّيَّارَةِ، وَالدِّيكِ الْمُقَاتِلِ، وَالْعَبْدِ الْخَصِيِّ؛ فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهَا غَيْرَ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الْأُمُورِ، كَذَا هَذَا.

وَلَوْ أَحْرَقَ بَابًا مَنْحُوتًا عَلَيْهِ تَمَاثِيلُ مَنْقُوشَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَنْقُوشٍ؛ لِأَنَّ نَقْشَ التَّمَاثِيلِ حَرَامٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ. وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَنْقُوشًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَرَامٍ. وَالتَّمَاثِيلُ عَلَى الْبِسَاطِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَيَجِبُ قِيمَتُهُ مَنْقُوشًا.

وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَكَسَاهُ لِلْمَالِكِ، أَوْ طَعَامًا فَقَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ - بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَ الشَّيْءَ إِلَى يَدِهِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ حَقِيقَةً، فَيَبْرَأُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» .

وَلَوْ جَاءَ الْغَاصِبُ بِقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ إِلَى الْمَالِكِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِجْرِهِ بَرِئَ، وَإِنْ وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَبْرَأُ. بِخِلَافِ مَا إِذَا وَضَعَ الْمَغْصُوبَ أَوِ الْوَدِيعَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ الْعَيْنِ، وَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِالتَّخْلِيَةِ. وَالْوَاجِبَ فِي الدَّيْنِ الْقَبْضُ؛ لِتَتَحَقَّقَ الْمُعَاوَضَةُ وَالْمُقَاصَّةُ، وَالْقَبْضُ لَا يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ.

وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ إِذَا كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، وَيَحْفَظَهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ ضَاعَ، فَجَاءَ الْمَالِكُ - فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ وَالسَّارِقَ، وَلَا يَبْرَأَ بِأَخْذِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْغَائِبِ فِيمَا

<<  <  ج: ص:  >  >>