للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ،

ــ

[الاختيار لتعليل المختار]

تُحْبَسُ الْجَلَّالَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَمْ يُوَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ وَقْتًا وَقَالَ: تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ وَالْجَلَّالَةُ: الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ، فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ بِجَلَّالَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: الدَّجَاجَةُ لَا تَكُونُ جَلَّالَةً لِأَنَّهَا تَخْلِطُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا أَنْتَنَ وَتَغَيَّرَ وَوُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ فَهِيَ جَلَّالَةٌ لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا، وَإِذَا حُبِسَتْ زَالَتِ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ مَا فِي جَوْفِهَا يَزُولُ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّغَيُّرِ وَالنَّتْنُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَقَّفَ عَلَى زَوَالِ النَّتْنِ وَجَبَ اعْتِبَارُ هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ قَدَّرَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَالِهَا، وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَ يَأْكُلُهُ» وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةُ التَّقْدِيرِ بِالثَّلَاثَةِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.

[كِتَابُ الْأُضْحِيَةِ]

وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا: اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ أَيَّامَ النَّحْرِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى -، وَكَذَلِكَ الضَّحِيَّةُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ أَيْضًا أَضْحَاةٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» ، فَالْأَضْحَاةُ مَا يُذْبَحُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَالْعَتِيرَةُ شَاةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ لِلصَّنَمِ فِي رَجَبٍ نُسِخَتْ وَبَقِيَتِ الْأُضْحِيَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَضْحَى يُضْحِي إِذَا دَخَلَ فِي الضُّحَى ; لِأَنَّهَا تُذْبَحُ وَقْتَ الضُّحَى فَسُمِّي الْوَاجِبُ بِاسْمِ وَقْتِهِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.

قَالَ: (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ مُوسِرٍ) ، أَمَّا الْوُجُوبُ فَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا وَاخْتَارَهُ رَضِيُّ الدَّيْنِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا سُنَّةً قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الْوِتْرُ وَالضُّحَى وَالْأَضْحَى» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ» ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَاهَا النَّاسُ وَاجِبَةً، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمُسَافِرِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالزَّكَاةِ، إِذِ الْوَاجِبَاتُ الْمَالِيَّةُ لَا تَأْثِيرَ لِلسَّفَرِ فِيهَا، وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ قَوْله تَعَالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] أَمَرَ بِنَحْرٍ مَقْرُونٍ بِالصَّلَاةِ وَلَا ذَلِكَ إِلَّا الْأُضْحِيَّةَ، فَلَئِنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَخْذُ الْيَدِ بِالْيَدِ عَلَى النَّحْرِ فِي الصَّلَاةِ. قُلْنَا هَذَا أَمْرٌ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا وُجُوبَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ضَحُّوا فَإِنَّهَا سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» أَمْرٌ وَأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» عَلَّقَ الْوَعِيدَ بِتَرْكِ

<<  <  ج: ص:  >  >>