للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

رابعاً: ومما يدل على سعة المفهوم الشرعي للذكر، ما ذكره النووي عن القاضي عياض، فقال: "قال القاضي عياض : وذكر الله تعالى ضربان: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان أحدهما: وهو أرفع الأذكار وأجلها الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سمواته وأرضه ..

والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهي عنه، ويقف عما أشكل عليه، وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث" (١).

وقال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]:

"ومعنى الآية: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير، وقال أيضاً: الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن" (٢).

وعن الحسن في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، قال: "اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي" (٣).

وفي التفسير الكبير عند قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]: " اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين: الذكر، والشكر، أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح … أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكراً بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فصار الأمر بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ متضمناً جميع الطاعات" (٤).


(١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥) مع تصرف يسير.
(٢) تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٧١).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٦١).
(٤) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (٤/ ١٢٣ - ١٢٤) مع بعض التصرف.

<<  <   >  >>