للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْعَادَات وَإِن كَانَ انْتِفَاع ضعفاء الْعُقُول بالخوارق فِي الْإِيمَان أعظم من انتفاعهم بِنَفس الدعْوَة وَمَا جَاءَ بِهِ من الْإِيمَان فطرق الْهِدَايَة متنوعة رَحْمَة من الله بعباده ولطفا بهم لتَفَاوت عُقُولهمْ وأذهانهم وبصائرهم فَمنهمْ من يَهْتَدِي بِنَفس مَا جَاءَ بِهِ وَمَا دَعَا إِلَيْهِ من غير أَن يطْلب مِنْهُ برهانا خَارِجا عَن ذَلِك كَحال الكمل من الصَّحَابَة كالصديق رَضِي الله عَنهُ وَمِنْهُم من يَهْتَدِي بمعرفته بِحَالهِ وَمَا فطر عَلَيْهِ من كَمَال الْأَخْلَاق والأوصاف وَالْأَفْعَال وَأَن عَادَة الله أَن لَا يخزي من قَامَت بِهِ تِلْكَ الْأَوْصَاف وَالْأَفْعَال لعلمه بِاللَّه ومعرفته بِهِ وَإنَّهُ لَا يخزي من كَانَ بِهَذِهِ المثابة كَمَا قَالَت أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا لَهُ إبشر فوَاللَّه لن يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتقري الضَّعِيف وَتعين على نَوَائِب الْحق فاستدلت بمعرفتها بِاللَّه وحكمته وَرَحمته على أَن من كَانَ كَذَلِك فَإِن الله لَا يخزيه وَلَا يَفْضَحهُ بل هُوَ جدير بكرامة الله واصطفائه ومحبته وتوبته وَهَذِه المقامات فِي الْإِيمَان عجز عَنْهَا أَكثر الْخلق فاحتاجوا إِلَى الْآيَات والخوارق والآيات المشهودة بالحس فَآمن كثير مِنْهُم عَلَيْهَا وأضعف النَّاس إِيمَانًا من كَانَ إيمَانه صادرا من الْمظهر ورؤية غلبته للنَّاس فاستدلوا بذلك الْمظهر وَالْغَلَبَة والنصرة على صِحَة الرسَالَة فَأَيْنَ بصائر هَؤُلَاءِ من بصائر من آمن بِهِ وَأهل الأَرْض قد نصبوا لَهُ الْعَدَاوَة وَقد ناله من قومه ضروب الْأَذَى وَأَصْحَابه فِي غَايَة قلَّة الْعدَد والمخافة من النَّاس وَمَعَ هَذَا فقلبه ممتلىء بِالْإِيمَان واثق بِأَنَّهُ سَيظْهر على الْأُمَم وَأَن دينه سيعلو كل دين وأضعف من هَؤُلَاءِ إِيمَانًا من إيمَانه إِيمَان الْعَادة والمربا والمنشأ فَإِنَّهُ نَشأ بَين أبوين مُسلمين وأقارب وجيران وَأَصْحَاب كَذَلِك فَنَشَأَ كواحد مِنْهُم لَيْسَ عِنْده من الرَّسُول وَالْكتاب إِلَّا اسمهما وَلَا من الدّين إِلَّا مَا رأى عَلَيْهِ أَقَاربه وَأَصْحَابه فَهَذَا دين العوائد وَهُوَ أَضْعَف شَيْء وَصَاحبه بِحَسب من يقْتَرن بِهِ فَلَو قيض لَهُ من يُخرجهُ عَنهُ لم يكن عَلَيْهِ كلفة فِي الِانْتِقَال عَنهُ وَالْمَقْصُود أَن خَواص الْأمة ولبابها لما شهِدت عُقُولهمْ حسن هَذَا الدّين وجلالته وكماله وَشهِدت قبح مَا خَالفه ونقصه ورداءته خالط الْإِيمَان بِهِ ومحبته بشاشة قُلُوبهم فَلَو خير بَين أَن يلقى فِي النَّار وَبَين أَن يخْتَار دينهَا غَيره لاختار أَن يقذف فِي النَّار وتقطع أعضاؤه وَلَا يخْتَار دينا غَيره وَهَذَا الضَّرْب من النَّاس هم الَّذين اسْتَقَرَّتْ أَقْدَامهم فِي الْإِيمَان وهم أبعد النَّاس عَن الارتداد عَنهُ وأحقهم بالثبات عَلَيْهِ إِلَى يَوْم لِقَاء الله وَلِهَذَا قَالَ هِرقل لأبي سُفْيَان أيرتد أحد مِنْهُم عَن دينه سخطَة لَهُ قَالَ لَا قَالَ فَكَذَلِك الْإِيمَان إِذْ خالطت بشاشته الْقُلُوب لَا يسخطه أحد وَالْمَقْصُود أَن الداخلين فِي الْإِسْلَام المستدلين على أَنه من عِنْد الله لحسنه وكماله وَأَنه دين الله الَّذِي لَا يجوز أَن يكون من عِنْد غَيره هم خَواص الْخلق والنفاة سدوا على أنفسهم هَذَا الطَّرِيق فَلَا يُمكنهُم سلوكه

<<  <  ج: ص:  >  >>