للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرُّحَضَاء ثم رفع رأسه فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} (طه: ٥) كما وصف به نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه، ومن طريق يحيى بن يحيى عن مالك نحو المنقول عن أم سلمة لكن قال فيه: والإقرار به واجب، والسؤال عنه بدعة. (١)

وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا [يحددون] (٢) ولا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون (كيف) قال أبو داود وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرنا. (٣)

وأسند اللالكائي [٣ / ٤٣٢] عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير (٤) ، فمن فسر شيئًا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة لا شيء.

ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيّ ومالكا والثوري والليث بن سعد عن


(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص٤٠٨، ولصابوني في اعتقاد أهل الحديث ص ٤٥، وهذا الأثر مشهور مستفيض لا تكاد تخلو منه كتب أهل السنة في المعتقد، وهذا الجواب من الإمام مالك وغيره من الأئمة رضي الله عنهم شافٍ، عامّ في جميع مسائل الصفات، فمن سأل عن قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأرَى} كيف يسمع ويرى؟، أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول، وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرضى، والرحمة، والضحك، وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقُّل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟!
كما أن هذا الكلام فيه أنَّ نفس الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية الاستواء مجهولة، وهذا بعينه قول أهل الإثبات، وأما نفاة الاستواء فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته، خاصة عند المفوضة من الأشاعرة وأمثالهم أنَّ الاستواء مجهول غير معلوم، وإذا كان الاستواء مجهولاً لم يحتج أن يُقال: الكيف مجهول، لا سيما إذا كان الاستواء منتفياً، فالمنتفي المعدوم لا كيفية له حتى يُقال: هي مجهولة أو معلومة، وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء، وأنَّه معلوم، وأنَّ له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن. انظر: مجموع الفتاوى (٥ / ١٨١) .
(٢) في مصادر التخريج: ((ولا يحدون)) ونفي الحد الذي ذكره السلف هنا حق، لكن حدث بعدهم من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو: أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا، وأنهم لا يحدون شيئا من صفاته، ومرادهم أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده، فهذا الحد المنفي.
وأما الحد بمعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم، فهو الحد المُثبَت، سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش، بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال: بحد. وأقره الإمام أحمد، انظر: السنة لعبد الله بن أحمد ١ / ١٧٥، الإبانة لابن بطة (١ / ١٥٩، ١٦١) .
ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه. فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلا. انظر: بيان تلبيس الجهمية (٣ / ٧ - ٥٢ ط: مجمع الملك فهد) ، شرح الطحاوية لابن أبي العز، فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٧ / ١٩٣) وقال رحمه الله: ((وبذلك تعرف أن نفي الحد وإثباته على وجه الإطلاق لا ينبغي، على أن السلامة هي أن يقال: إن الحد لا يضاف إلى الله إطلاقاً لا على سبيل وجه النفي ولا على وجه الإثبات، لكن معناه يستفصل فيه، ويثبت الحق منه ويبطل الباطل، والله أعلم)) .
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣ / ٣) وفي الأسماء والصفات (٢ /٣٣٤ ط: الحاشدي) .
(٤) للسلف عدة نصوص تبين التفسير المنفي هنا، فمنها ما قال أبو عبيد: ((إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا)) ، وقال سفيان بن عيينة: ((كل ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل)) ، وقال الأثرم: ((قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث ((يضع الرحمن فيها قدمه..)) وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: إن لهذا تفسيرا. فقال أبو عبد الله: انظر إليه، كما تقول الجهمية سواء)) ، وسئل أبو زرعة الرازي عن تفسير {الرحمن على العرش استوى} فغضب وقال: تفسيره كما تقرأ، هو على عرشه وعلمه في كل مكان)) . انظر: الصفات للدارقطني ص ٤٠، ٤١، إبطال التأويلات ص ٧٥، مجموع الفتاوى ٥ / ٥٠ - ٥١، العلو للذهبي (١ / ١٧٧، ١٨٨، ٢٥١، ٢٦٤ ط: أضواء السلف) .

<<  <  ج: ص:  >  >>