للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بغزو المدينة، ومن أجل ذلك كانت الاستعدادات العسكرية مرافقة للتحرك السياسي فكانت سرية مؤتة والصدام مع الروم فلا بد من تحمل تبعات الرسالة وكان تحرك سرية مؤتة ثأرا للرسول الذي قتل على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني.

بينما اشترك في موقف المراوغة والمهادنة قيصر الروم ومقوقس مصر، والذي حال بينهما وبين الإسلام هو خوفهما على ملكهما وجزعهما من الرعية أن تثور عليهم، ولعل ما نقله أبو سفيان رضي الله عنه عن لقاء قيصر يعطي صورة واضحة وصادقة عن تصديق قيصر لرسول الله وكيف نخرت الرهبان بعد ذلك وهددوه لو أسلم بحربه.

ودخل الإسلام نجاشي الحبشة وحاكم البحرين وملك عمان.

وراوغ صاحب اليمامة وأراد أن يشترك في الغنيمة والرسالة فأهلكه الله تعالى بعد ذلك.

ولعل من أهم آثار الكتب غزو أبي سفيان من داخله وقد ساقه قدر الله إلى بلاط قيصر ليسمع رأيه بمحمد صلوات الله وسلامه عليه وقرع أذنه قول قيصر: (فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).

والأشد من هذا على أبي سفيان قول قيصر (فإن كان ما تقوله حقا فسيملك موضع قدمي هاتين) وأبو سفيان يدري أنه قال الحق كل الحق رغم أنفه. وكان يحسب أن تهوينه من شأن محمد وأتباعه سوف يدفع قيصر للاستهانة بخصمه. لكنه يفاجأ بأن هذا التهوين زاد قناعة قيصر بنبوة محمد. وكان الغزو الداخلي لأبي سفيان حيث اعترف بذلك قائلا: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن تخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام). إن التحرك السياسي الذي تقوم به الحركة الإسلامية يجب أن يهدف أول ما يهدف إلى تبليغ دعوة الله إلى حكام الأرض وملوكهم. ولو كلفت هذه الدعوة الحركة الإسلامية عنتا وحرجا إن من الخيانة لدعوة الله وشريعته أن تبارك الحركة الإسلامية أنظمة الكفر أو توحي إليهم أن أنظمتهم هي الإسلام بعينه، وأن شريعة الله تبارك طغيانهم وظلمهم وحكمهم بغير ما أنزل الله. وهذه الرسائل التي بين أيدينا تعلمنا طريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسباب والتحدي. ولا بد أن نوضح الخط الفاصل بين قضيتين:

القضية الأولى: أسلوب التعامل مع الحاكمين، وحسن اختيار الكلمة المناسبة، والضرب على الأوتار النفسية لهم، والاستفادة من الواقع العملي.

القضية الثانية: خلط الحق بالباطل. ومداهنتهم على كفرهم، ومباركة طغيانهم وطمس

<<  <  ج: ص:  >  >>