للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العَبْد حد الْكبر وضعفت بصيرته ووهت قواه وَقد اوجبت لَهُ تِلْكَ الاعمال قُوَّة فِي غيه وضعفا فِي إيمَانه صَارَت كالملكة لَهُ بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من تَركهَا فَإِن كَثْرَة المزاولات تُعْطى الملكات فَتبقى للنَّفس هَيْئَة راسخة وملكة ثَابِتَة فِي الغي والمعاصي وَكلما صدر عَنهُ وَاحِد مِنْهَا اثرا أثرا زَائِدا على اثر مَا قبله فيقوى الاثران وهلم جرا فيهجم عَلَيْهِ الضعْف وَالْكبر ووهن الْقُوَّة على هَذِه الْحَال فَينْتَقل الى الله بِنَجَاسَتِهِ واوساخه وادرانه لم يتَطَهَّر للقدوم على الله فَمَا ظَنّه بربه وَلَو انه تَابَ وأناب وَقت الْقُدْرَة والامكان لقبلت تَوْبَته ومحيت سيئاته وَلَكِن حيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون وَلَا شَيْء اشهى لمن انْتقل الى الله على هَذِه الْحَال من التَّوْبَة وَلَكِن فرط فِي أَدَاء الدّين حَتَّى نفذ المَال وَلَو أَدَّاهُ وَقت الامكان لقبله ربه وَسَيعْلَمُ المسرف والمفرط أَي ديان ادان وَأي غَرِيم بتقاضاه وَيَوْم يكون الْوَفَاء من الْحَسَنَات فَإِن فنيت فَيحمل السَّيِّئَات فَبَان ان من حِكْمَة الله ونعمه على عباده ان ستر عَنْهُم مقادير آجالهم ومبلغ اعمارهم فَلَا يزَال الْكيس يترقب الْمَوْت وَقد وَضعه بَين عَيْنَيْهِ فينكف عَمَّا يضرّهُ فِي معاده ويجتهد فِيمَا يَنْفَعهُ وَيسر بِهِ عِنْد الْقدوم فَإِن قلت فها هُوَ مَعَ كَونه قد غيب عَنهُ مِقْدَار اجله وَهُوَ يترقب الْمَوْت فِي كل سَاعَة وَمَعَ ذَلِك يقارف الْفَوَاحِش وينتهك الْمَحَارِم فَأَي فَائِدَة وَحِكْمَة حصلت بستر اجله عَنهُ قيل لعمر الله ان الامر كَذَلِك وَهُوَ الْموضع الَّذِي حير الالباب والعقلاء وافترق النَّاس لاجله فرقا شَتَّى ففرقة انكرت الْحِكْمَة وتعليل افعال الرب جملَة وَقَالُوا بالجبر الْمَحْض وسدوا على انفسهم الْبَاب وَقَالُوا لَا تعلل افعال الرب تَعَالَى ولاهي مَقْصُود بهَا مصَالح الْعباد وَإِنَّمَا مصدرها مَحْض الْمَشِيئَة وَصرف الارادة فأنكروا حِكْمَة الله فِي امْرَهْ وَنَهْيه وَفرْقَة نفت لاجله الْقدر جملَة وَزَعَمُوا ان أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله حَتَّى يطْلب لَهَا وُجُوه الْحِكْمَة وَإِنَّمَا هِيَ خلقهمْ وابداعهم فَهِيَ وَاقعَة بِحَسب جهلهم وظلمهم وضعفهم فَلَا يَقع على السداد وَالصَّوَاب الا اقل الْقَلِيل مِنْهَا فهاتان الطائفتان متقابلتان اعظم تقَابل فَالْأولى غلت فِي الْجَبْر وانكار الحكم الْمَقْصُودَة فِي أَفعَال الله وَالثَّانيَِة غلت فِي الْقدر واخرجت كثيرا من الْحَوَادِث بل اكثرها عَن ملك الرب وَقدرته وَهدى الله اهل السّنة الْوسط لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق باذنه فأثبتوا لله عز وَجل عُمُوم الْقُدْرَة والمشيئة وَأَنه تَعَالَى ان يكون فِي مسلكه مَالا يَشَاء اَوْ يَشَاء مَالا يكون وَأَن اهل سمواته وارضه اعجز واضعف من ان يخلقوا مَالا يخلقه الله اَوْ يحدثوا مَالا يَشَاء بل مَا شَاءَ الله كَانَ وَوجد وجوده بمشيئته وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَامْتنع وجوده لعدم الْمَشِيئَة لَهُ وانه لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِهِ وَلَا تتحرك فِي الْعَالم الْعلوِي والسفلي ذرة الا بِإِذْنِهِ وَمَعَ ذَلِك فَلهُ فِي كل مَا خلق وَقضى وَقدر وَشرع من الحكم الْبَالِغَة والعواقب الحميدة مَا اقْتَضَاهُ كَمَال حكمته وَعلمه وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم فَمَا خلق شَيْئا وَلَا قَضَاهُ وَلَا شَرعه الا لحكمة بَالِغَة وان تقاصرت عَنْهَا عقول الْبشر فَهُوَ الْحَكِيم الْقَدِير فَلَا تجحد حكمته كمالا تجحد قدرته

<<  <  ج: ص:  >  >>