للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولو أراد نفي الحرج عن العزل لقال: " لا عليكم أن تفعلوا " (١) .

وفي مسلم لما ذكر هذا الحديث "قال محمد" وقوله: " لا عليكم" أقرب إلى النهي" ومحمد هذا هو ابن حاتم. وفيه أيضاً: " وقال ابن عون: فحدثت به الحسن، فقال: والله لكأن هذا زجر" (٢) .

قوله: " فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" هذا يبين عدم فائدة العزل؛ لأن كل نفس قدر الله -تعالى- خلقها، لا بد أن يخلقها، عزلتم أم لا، وما لم يشأ خلقها لا يقع ولو لم يعزلوا، فإن كان الله أراد أن يخلق في تلك المقارنة وذلك الوقت، فلا بد من وجود ذلك ولو حرصتم كل الحرص على عدم الإنزال في الرحم، فلا غالب على أمره، وهو الخالق وحده.

وهذا هو وجه استدلال البخاري في الحديث، فإن الله -تعالى- هو الخالق البارئ المصور وحده، وأن كلا من الأب والأم، لا دخل لهما في ذلك، بل الله -تعالى- هو الذي يقدر خلق هذا المخلوق شاء الناس ذلك أو لم يشاؤوا، وأنه، هو بارئ النسمة من الذكر والأنثى، أو مما يشاء، والخلق كلهم لا يستطيعون فعل شئ من ذلك.

وهو -تعالى- المصور لهذا الإنسان السوي من نطفة متساوية الأجزاء، لو اجتمع عليها أمهر الأطباء، بكل ما أوتوا من علوم وآلات وإمكانيات، لم يستطيعوا أن يصوروا منها شيئاً حياً، فتبارك الله أحسن الخالقين.

فإن قيل: قد يتحكم الإنسان بالحمل إما بالعقاقير أو بوسائل أخرى.

فجوابه: أن ذلك من تقدير الله -تعالى-، ولا يمكن أن يكون شيء خارجاً عن مشيئته وتقديره، وإذا أراد أن يخلق مخلوقاً فلا بد من وجوده، وإن استعملت الوسائل المانعة لذلك.


(١) "الفتح" (٩/٣٠٧) .
(٢) "مسلم مع النووي" (١٠/١١) .

<<  <  ج: ص:  >  >>