للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد تقرر أنه -تعالى- ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته، وأفعاله، ولكن لابد من الاشتراك في ألفاظ الأسماء التي تضاف إلى الله صفات له، وبين ألفاظ الأسماء التي يوصف بها العباد؛ لأنه لا يمكن معرفة ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه، فنعتبر بعقولنا الغائب بالشاهد.

فلولا أنا نجد من أنفسنا جوعاً، وعطشاً، وشبعاً، ورياً، وحباً، وبغضاً، ولذةً، وألماً، ورضاً، وسخطاً، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا وأخبرنا به عن غيرنا.

ولو لم نعلم ما في المشاهد من الحياة، والقدرة، والعلم، والكلام، لم نفهم ما نخاطب به من ذلك في الغائب.

فلا بد فيما شهدناه، وما غاب عنا، من قدر مشترك، هو مسمى اللفظ.

وقد أخبرنا عن نعيم الآخرة، وعذابها مما يؤكل، ويشرب، ويفرح، ويحزن، وينعم، ويؤلم، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا، لم نفهم ما وعدنا به من ذلك، مع علمنا أن حقائق ما في الآخرة ليست كحقائق ما في الدنيا، كما قال ابن عباس في تفسير قوله -تعالى-: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} : " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء " (١) ، ولكن بين ما في الدنيا، وما في الآخرة، مشابهة واشتراك من بعض الوجوه. وبذلك نفهم المراد، فنحب النعيم، ونرغب فيه، ونكره المؤلم، وننفر عنه، فنعرف معنى العسل، واللبن، والحرير، والذهب، ونفرق بينهما؛ لما عرفناه من نظيرها في الشاهد، وإن كانت حقائقها فيما هي عليه لا يعلمها إلا الله -تعالى-، كما قال - جل وعلا -: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (٢) .


(١) رواه ابن جرير في "تفسيره" انظر (١/٣٩٣-٣٩٤) بتحقيق: محمود شاكر.
(٢) الآية ١٧ من سورة السجدة.

<<  <  ج: ص:  >  >>