للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (١) ، فأخبر -تعالى- أنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأوعال: " والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه" (٢) .

وذلك أن كلمة "مع" في اللغة، إذا أطلقت، لم يكن ظاهرها، في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة، أو محاذاة، عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني، دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة.

ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فقوله -تعالى-: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} (٣) دل ظاهر الخطاب أن حكم هذه المعية، ومقتضاها: أنه مطلع عليكم شهيد عليكم، ومهيمن، عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.

وقوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} (٤) ، حق على ظاهره، ودلت الحال

على أن حكم هذه المعية: الاطلاع، والنصر، والتأييد، ومثلها قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا} (٥) ، وقوله -تعالى-: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم


(١) الآية ٤ من سورة الحديد.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) الآية ٤ من سورة الحديد.
(٤) الآية ٤٠ من سورة التوبة.
(٥) الآية ٤٦ من سورة طه.

<<  <  ج: ص:  >  >>