للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

صيغة ثانية لهم في إلزام قدم الزمان

قولهم كان الله قادراً على أن يخلق العالم

قبل أن خلقه بقدر سنين ...

قالوا: لا شك في أن الله عندكم كان قادراً على أن يخلق العالم قبل أن خلقه بقدر سنة ومائة سنة وألف سنة، وإن هذه التقديرات متفاوتة في المقدار والكمية، فلا بد من إثبات شيء قبل وجود العالم ممتد مقدر بعضه أمد وأطول من البعض.

...

أو أن يخلق قبله عالماً ثانياً مثله

بحيث ينتهي إلى زماننا هذا بقدر عدد أكثر من الدورات وإن قلتم: لا يمكن إطلاق لفظ سنين إلا بعد حدوث الفلك ودوره فلنترك لفظ سنين ولنورد صيغة أخرى فنقول: إذا قدرنا أن العالم من أول وجوده قد دار فلكه إلى الآن بألف دورة مثلاً، فهل كان الله قادراً على أن يخلق قبله عالماً ثانياً مثله بحيث ينتهي إلى زماننا هذا بألف ومائة دورة؟ فإن قلتم: لا، فكأنه انقلب القديم من العجز إلى القدرة أو العالم من الاستحالة إلى الإمكان. وإن قلتم: نعم، ولا بد منه، فهل كان يقدر على أن يخلق عالماً ثالثاً بحيث ينتهي إلى زماننا بألف ومائتي دورة؟ ولا بد من نعم.

[قولنا فهناك مقدار معلوم ...]

فنقول: هذا العالم الذي سميناه بحسب ترتيبنا في التقدير ثالثاً، وإن كان هو الأسبق، فهل أمكن خلقه مع العالم الذي سميناه ثانياً وكان ينتهي إلينا بألف ومائتي دورة والآخر بألف ومائة دورة وهما متساويان في مسافة الحركة وسرعتها؟ فإن قلتم: نعم، فهو محال إذ يستحيل أن يتساوى حركتان في السرعة والبطء ثم تنتهيان إلى وقت واحد، والأعداد متفاوتة. وإن قلتم: إن العالم الثالث الذي ينتهي إلينا بألف ومائتي دورة لا يمكن أن يخلق مع العالم الثاني الذي ينتهي إلينا بألف ومائة دورة، بل لا بد وأن يخلقه قبله بمقدار يساوي المقدار الذي تقدم العالم الثاني على العالم الأول، وسمينا الأول ما هو أقرب إلى وهمنا، إذ ارتقينا من وقتنا

<<  <   >  >>