للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتنسجم أنغام الموسيقى في رشاقتها نغمة إلى حركة؛ لأن جسمها الفاتن الجميل هو نفسه أنغام صامتة تُسمَع وتُرَى في وقت معًا.

وتنسكب روحها الظريفة بين الرقص والموسيقى، لتُخرج لك بظرفها صراحة الفن من إبهامين، كلاهما يعاون الآخر.

وهي في رقصها إنما تفسر بحركات أعضائها أشواق الحياة وأفراحها وأحزانها، وتزيد في لغة الطبيعة لغة جسم المرأة.

وكأن الليل والنهار في قلبها؛ فهي تبعث للقلوب ما شاءت ضوءًا وظلمة.

وهي إلى القِصَر، غير أنك إذا تأملت جمالها وتمامها، حسبتها طالت لساعتها.

وإلى النحافة، غير أنك تنظر فإذا هي رابية كأن بعضها كان مختبئًا في بعض.

ويخيل إليك أحيانًا في فن من فنون رقصها أن جسمها يتثاءب برعشة من الطرب، فإذا جسمك يهتز بجواب هذه الرعشة، لا يملك إلا أن يتثاءب ... ويُجَنّ رقصها أحيانًا، ولكن لتحقق بجنون الحركة أن العقل الموسيقي يُصرِّف كل أعضاء جسمها.

ومهما يكن طيش الفن في تأودها ولفتتها ونظرتها وابتسامها وضحكها, ففي وجهها دائمًا علامة وقار عابسة تقول للناس: افهموني.

ولما رأيتها شهد قلبي لها بأن على وجهها مع نور الجمال نور الوضوء؛ وأنها متحرزة ممتنعة في حصن من قلبها المؤمن، يبسط الأمن والسلامة على ظاهرها؛ وأن لها عينًا عذراء لا تحاول التعبير، لا سؤالًا ولا جوابًا ولا اعتراضًا بينهما؛ وأن قوة جمالها تستظهر بقوة نفسها، فيكون ما في جمالها شيئًا غير ما في النساء؛ شيئًا عبقريًّا بالغ القوة، يكف الدواعي ويحسم الخواطر، ويرغم الإعجاب أن يكون ذُهولًا وحيرة، ويكره الحب أن يرجع مَهَابة واحتشامًا.

والرواية كلها في باطنها تظهر على ضوء من مصباح قلبها، وما وجهها إلا الشاشة البيضاء لهذه "السينما"، وهل يكون على الوجه إلا أخيلة القلب أو الفكر؟

وعندي أن المرأة إذا كان لها رأي ديني ترجع إليه، وكان أمرها مجتمعًا في هذا الرأي، وكانت أخلاقها محشودة له، مُتَحَفِّلة به, فتلك هي الياقوتة التي تُرمى في اللهب ولا تحترق، وتظل مع كل تجربة على أول مجاهدتها؛ إذ يكون لها في طبيعة تركيبها الياقوتي ما تهزم به طبيعة التركيب الناري.

<<  <  ج: ص:  >  >>