للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صعاليك الصحافة "١":

لما ظهر كتابي "وحي القلم"١ حملت منه إلى فضلاء كتابنا في دور الصحف والمجلات أهديه إليهم؛ ليقرؤوه ويكتبوا عنه، وأنا رجل ليس في أكثر مما في، كالنجم يستحيل أن يكون فيه مستنقع؛ فما أعلم في طبيعتي موضعا للنفاق تتحول فيه البصلة إلى تفاحة، ولا مكانًا من الخوف تنقلب فيه التفاحة إلى بصلة، ولست أهدي من كتبي إلا إحدى هديتين: فإما التحية لمن أثق بأدبهم وكفايتهم وسلامة قلوبهم، وإما إنذار حرب لغير هؤلاء!

والقرآن نفسه قد أثبت اللهُ فيه أقوال من عابوه، ليدل بذلك على أن الحقيقة محتاجة إلى من ينكرها ويردها، كحاجتها إلى من يقربها ويقْبلها، فهي بأحدهما تثبت وجودها، وبالآخر تثبت قدرتها على الوجود والاستمرار.

والشعور بالحق لا يخرس أبدًا؛ فإذا كانت النفس قوية صريحة مر من باطنها إلى ظاهرها في الكلمة الخالصة، فإن قال: لا أو: نعم صدق فيهما؛ وإذا كانت النفس ملتوية اعترضته الأغراض والدخائل، فمر من باطن إلى باطن حتى يخلص إلى الظاهر في الكلمة المقلوبة؛ إذ يكون شعورًا بالحق يغطيه غرض آخر كالحسد ونحوه، فإن قال: لا أو نعم كذب فيهما جميعًا.

وكنت في طوافي على دور الصحف والمجلات أحس في كل منها سؤالًا يسألني به المكان: لماذا لم تجئ؟ فإني في ابتداء أمري كنت نزعت إلى العمل في الصحافة، وأنا يومئذ متعلم ريض ومتأدب ناشئ، ولكن أبي رحمه الله ردني عن ذلك ووجهني في سبيلي هذه والحمد لله، فلو أنني نشأت صحافيًّا لكنت الآن كبعض الحروف المكسورة في الطبع..


١ يعني الجزأين الأول والثاني في طبعتهما الأولى.

<<  <  ج: ص:  >  >>