للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الملاح التائه ١:

إذا أردت أن أكتب عن شعر فقرأته، كان من دأبي أن أقرأه متثبتًا أتصفح عليه في الحرف والكلمة، إلى البيت والقصيدة والنهج، إلى ما وراء الكلام من بواعث النفس الشاعرة ودوافع الحياة فيها، وعن أي أحوال هذه النفس يصدر هذا الشاعر، وبأيها يتسبب إلى الإلهام، وفي أيها يتصل الإلهام به، وكيف يتصرف بمعانيه، وكيف يسترسل إلى طبعه، ومن أين المأتى في رديئه وسقطه، وبماذا يسلك إلى تجويده وإبداعه.

ثم كيف حدة قريحته وذكاء فكره والملكة النفسية البيانية فيه، وهل هي جبارة متعسفة تملك البيان من حدود اللغة في اللفظ إلى حدود الإلهام في المعنى، ملكة استقلال تنفذ بالأمر والنهي جميعًا، أو هي ضعيفة رخوة ليس معها إلا الاختلال والاضطراب، وليس لها ما يحمل الضعيف على طبعه المكدود كلما عنف به سقط به؟

أتبين كل هذا فيما أقرأ من الشعر، ثم أزيد عليه انتقاده بما كنت أصنعه أنا لو أني عالجت هذا الغرض أو تناولت هذا المعنى، ثم أضيف إلى ذلك كله ما أثبته من أنواع الاهتزاز التي يحدثها الشعر في نفسي؛ فإني لأطرب للشعر الجيد الوثيق أنواعًا من الطرب لا نوعًا واحدًا، وهي تشبه في التفاوت ما بين قطرة الندى الصافية في ورق الزنبقة وقطرة الشعاعة المتألقة في جوهر الماسة وموجة النور المتألهة في كوكب الزهرة.

وأكثر الشعر الذي في أيامنا هذه لا يتصل بنفسي ولا يخف على طبعي، ولا أراه يقع من الشعر الصحيح إلا من بعد، وهو مني أنا كالرجل يمر بي في الطريق لا أعرفه: فلا ينظر إلي ولا أنظر إليه، فما أبصر منه رجلًا وإنسانية وحياة أكثر مما أراه ثوبًا وحذاء وطربوشًا! والعجيب أنه كلما ضعف الشاعر من هؤلاء قوي على


١ ديوان الشاعر المهندس على محمود طه، وانظر "حياة الرافعي" ١٧٦-١٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>