للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالْمُنْقَطِعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ، وَالثَّانِي مَجَازٌ قُلْتُ لَيْسَ هَذَا قِسْمَةً حَقِيقَةً بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَالثَّانِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.

(وَقَدْ أَوْرَدَ أَصْحَابُنَا قَوْله تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: ٥] مِنْ أَمْثِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هُوَ إخْرَاجٌ عَنْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّدْرِ أَنَّ مَنْ قَذَفَ فَهُوَ فَاسِقٌ، (وَهُنَا لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْقَى فَاسِقًا بَعْدَ التَّوْبَةِ فَهَذَا حُكْمٌ آخَرُ) أَوْرَدَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ أَمْثِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ.

وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا هُوَ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ الْفَاسِقُونَ، وَالتَّائِبُونَ لَيْسُوا مِنْ الْفَاسِقِينَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَاسِقِينَ لَيْسَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ بَلْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُهُ: وَأُولَئِكَ أَيْ: الَّذِينَ يَرْمُونَ، وَالْفَاسِقُونَ حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّمَاةَ التَّائِبِينَ دَاخِلُونَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ أُولَئِكَ غَيْرُ دَاخِلِينَ

ــ

[التلويح]

عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِيقَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ بَقَاءُ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فَيَتَحَقَّقُ التَّنَاوُلُ لَكِنْ لَا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ لَيْسَ بِمُخْرَجٍ مِمَّنْ كَانَ فَاسِقًا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَهَذَا حَاصِلُ.

الْوَجْهِ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّ التَّائِبَ قَاذِفٌ، وَالْقَاذِفُ فَاسِقٌ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَازِمُ الْقَذْفِ، وَبِالتَّوْبَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ قَاذِفًا فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ لَازِمِهِ وَهُوَ الْفِسْقُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا فِي الْحَالِ وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى تَقْدِيرِ اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَ هُمْ الْفَاسِقِينَ بَلْ الَّذِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهُمْ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: وَأُولَئِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّائِبِينَ دَاخِلُونَ فِيهِمْ مُخْرَجُونَ عَنْ حُكْمِهِمْ، وَهُوَ الْفِسْقُ كَأَنَّهُ قِيلَ جَمِيعُ الْقَاذِفِينَ فَاسِقُونَ إلَّا التَّائِبِينَ مِنْهُمْ كَمَا يُقَالُ: الْقَوْمُ مُنْطَلِقُونَ إلَّا زَيْدًا اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زَيْدًا دَاخِلٌ فِي الْقَوْمِ مُخْرَجٌ عَنْ حُكْمِ الِانْطِلَاقِ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ سَوَاءٌ جُعِلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْقَوْمُ أَوْ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي مُنْطَلِقُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ، وَأَنَّ عَمَلَ الصِّفَةِ فِي الْمُسْتَثْنَى أَظْهَرُ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا هُوَ لَفْظُ الْقَوْمِ أَلْبَتَّةَ، وَإِذَا جُعِلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ضَمِيرَ مُنْطَلِقُونَ فَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ زَيْدًا دَاخِلٌ فِي الذَّوَاتِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالِانْطِلَاقِ فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ الِانْطِلَاقِ كَمَا فِي قَوْلِنَا: انْطَلَقَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ، وَأَجَابَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِكَلَامٍ تَحْقِيقُهُ أَنَّ الْفَاسِقَ هَاهُنَا إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاسِقِ عَلَى قَصْدِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ أَوْ بِمَعْنَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ الْفِسْقُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ الْفِسْقُ فِي الْجُمْلَةِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَالًا فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَالتَّائِبُ لَيْسَ بِفَاسِقٍ ضَرُورَةَ قَضَاءِ الشَّرْعِ بِأَنَّ التَّائِبَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ حَقِيقَةً، وَمِنْ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَنَاوِلًا الْمُسْتَثْنَى عَلَى تَقْدِيرِ السُّكُوتِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا مُرَادُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ تَنَاوُلِ الْفَاسِقِينَ التَّائِبِينَ بِخِلَافِ مُنْطَلِقُونَ فَإِنَّهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>