للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعضها لبعض، وتقطع ما بينهم من التشابك في لحمة الإنسانية، وجعل الكبير فيهم كبيرًا وإن صغرت معانيه، والصغير فيهم صغيرا وإن كبر في المعاني، وبهذا تموج الحياة بعضها في بعض، ولا يستقيم الناس على رأي صحيح، إذ يكون الصحيح والفاسد في ملك الإنسان لا في عمل الإنسان، فيكنز الغني مالا ويكنز الفقير عداوة، كأن هذا قتل مال هذا، وكأن أعمالا قتلت أعمالا، وترجع الصفات الإنسانية متعادية، وتباع الفضائل وتشترى، ويزيد من يزيد ولكن في القسوة، وينقص من ينقص ولكن في الحرية، وتكون المنفعة الذاتية هي التي تأمر في الجميع وتنهى، ويدخل الكذب في كل شيء حتى في النظر إلى المال، فيرى كل إنسان كأنما درهمه وديناره أكبر قيمة من دينار الآخر ودرهمه، فإذا أعطي نقص فغش، وإذا أخذ زاد فسرق؛ وتصبح النفوس نفوسا تجارية تساوم قبل أن تنبعث لفضيلة، وتماكس إذا دعيت لأداء حق، ويتعامل الناس في الشرف على أصول من المعدة لا من الروح، فلا يقال حينئذ: إن رغيفين أكثر من رغيف واحد. كما هي طبيعة العدد، بل يقال: إن رغيفين أشرف من رغيف، كما هي طبيعة النفاق.

أما التجارة -وهي التفسير الظاهر لمعاني النفوس- فتصبح بين الغش والضرر والمماكرة، وتكون يقظة التاجر من غفلة الشاري، وتفسد الإرادة فلا تحدث إلا آثارها الزائغة. وما التاجر في الأمة القوية إلا أستاذ لتعليم الصدق والخلق في الموضع المتقلب، فكلمته كالرقم من العدد لا يحتمل أزيد ولا أنقص مما فيه، ويمتحن بالدنيا والدرهم أشد مما يمتحن العابد بصلاته وصيامه، وقد شهد رجل عند عمر بن الخطاب في قضية، فقال له عمر: ائتني بمن يعرفك. فأتاه برجل أثنى عليه خيرًا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا.

قال عمر: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن، يخفض رأسه طورًا ويرفعه أخرى؟ قال: نعم.

قال: فاذهب فلست تعرفه!

وإنما التاجر صورة من ثقة الناس بعضهم ببعض، وإرادة الخير واعتقاد الصدق، وهو في كل ذلك مظهر توضع اليد عليه كما تجس اليد مرض المريض وصحته.

<<  <  ج: ص:  >  >>