للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أثارت بعض الكلمات فيها كإخال، وأظن، وأحسب، انتباه بعض الفقهاء والطلاب الذين أخذوا الفقه المالكي المقرون بالأدلة عن علي بن زياد، وابن غانم، والبهلول بن راشد، وابن أشرس، وغيرهم، ولم يألفوا هذا الفقه الافتراضي، فجعلوا يتطلعون إلى تصحيحها على ابن القاسم، حتى كتب الله ذلك على يد سحنون، وقد يكون الذي شغل أسداً عن تصحيحها على كتاب ابن القاسم اشتغاله بالقضاء في البداية، واشتغاله بالجهاد بعد ذلك. ويمكن أنه رأى فيها رأياً آخر، وذلك أنها مجرد اجتهادات. فقهية لا تُلزِم المجتهد، فهو لم يكن يلتزم بالمذهب المالكي ولا بالحنفي، بل كان يبحث عن الدليل وقد قيل عنه: إن مذهبه السنَّة لا يعرف غيرها (١). وقال عنه المالكي: المشهور عن أسد رحمه الله تعالى أنه كان يلتزم من أقوال أهل المدينة وأهل العراق ما وافق الحق، ويحق له ذلك لاستبحاره في العلوم وبحثه عنها، وكثرة من لقي من العلماء والمحدثين (٢).

أما بخله بالأسدية من أجل الاحتفاظ بها فقط فلا معنى له, لأن هذا لا يستقيم مع كلامهم: إنه جلس للإقراء بها في القيروان، فكيف يبخل بها وهو يدرسها. ثم كيف يستقيم هذا وقد سبق لها أن انتشرت بمصر قبل أن يجلس لتدريسها، فهو يقول: ورغب إلي أهل مصر في هذه الكتب فكتبوها مني (٣). وفي رواية: وطلبها منه أهل مصر فأبى أسد عليهم، فقدموه إلى القاضي، فقال لهم: أي سبيل لكم عليه؟ رجل سأل رجلاً فأجابه، وهو بين أظهركم، فاسألوه كما سأله. فرغبوا إلى القاضي في سؤاله قضاء حاجتهم من نسخها، فسأله فأجابه، فنسخوا حتى فرغوا منها، وأتى بها أسد إلى القيروان فكتبها الناس (٤). إذاً كيف يبخل بها وهي منتشرة بمصر؟

والأكثر من هذا أن هذه "الأسدية" اختصرها أبو زيد بن أبي الغمر،


(١) المدارك: ٣/ ٣٠٢.
(٢) رياض النفوس: ١/ ٢٦٣.
(٣) المدارك: ٣/ ٢٩٧.
(٤) رياض النفوس: ١/ ٢٦١، ٢٦٢، المدارك: ٣/ ٢٩٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>