للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[إكرام الله لأصحاب الكهف وحفظه لهم]

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

أما بعد: فقوله سبحانه: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:١٨]، يدل على لطف الله سبحانه وتعالى بهم وهم نائمون، إذْ قدر الله عز وجل أسباب حفظهم، وأسباب بُعد الطلب عنهم، وبُعد الناس عنهم، وقدر الله سبحانه وتعالى -كرامة لهم- نومهم، كما أكرمهم في استيقاظهم بتوفيقهم إلى توحيده عز وجل، وترك عبادة من دونه، وهذه القصة تدل على إثبات كرامات الأولياء بأنواع القدرة والتأثير، فإن الله سبحانه وتعالى أبقاهم هذه المدة الطويلة من غير أن تبلى أجسادهم أو تفسد، وهذا من أدلة إثبات كرامات الأولياء، والكرامة: هي ما يكرم الله به عبده المؤمن المتبع لشرعه سبحانه وتعالى من أنواع خوارق العادات أو من غيرها، ولا يلزم أن يكون إكرامه من خوارق العادات، ولكن هذا هو الاصطلاح المعروف، بل أعظم ما يكرم به العبد أن يكرم بالتوفيق إلى طاعة الله عز وجل، وأن يلهم رشده، وأن يكشف له عن سبيل الحق فيلتزمه، فهذه أعظم كرامة للعبد وإن لم يقع له من خوارق العادات، والله سبحانه وتعالى قد يجمع لعبده المؤمن بين أنواع الكرامات المختلفة من أنواع العلوم، ومن أنواع القدرة، وأعظم ذلك أن يكون موفقاً بقوة من الله سبحانه وتعالى إلى طاعته، وهو معنى الحديث: (فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) فالله عز وجل يعينه بقوة من عنده سبحانه وتعالى، وتكون هذه الجوارح وهذه القوة مصروفة في مرضاته سبحانه وتعالى.

قال عز وجل: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:١٨] أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر؛ لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك وتعالى فيهم؛ لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة، والرحمة الواسعة؛ رحمة لهؤلاء الفتية المؤمنين، وإنجاء لهم من القوم الظالمين الكافرين، وحكمة بالغة تدل الناس على البعث والنشور، وإثبات قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى بعد موتهم يوم القيامة، وكذلك ليثبت سبحانه وتعالى للناس وليبين لهم مآل المتقين، وحفظه سبحانه وتعالى لهم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.

إذاً: فالله عز وجل حفظهم بإلقاء المهابة عليهم حتى لو اطلعت أيها المسلط عليهم {لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:١٨]، فالخطاب هنا لكل مكلف، ويمكن أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

وذلك حفظاً من الله عز وجل لهم؛ حتى لا يدخل عليهم أحد، أو يصيبهم شيء من الكائنات الأخرى بسوء؛ لأنها تنظر إلى منظر مرعب مخيف فتنصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>